للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بشاشته القلوب، وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألت: بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدقة (١) والعفاف، فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه (٢)، ثم دعا بكتاب رسول الله الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأ فإذا فيه … »، فذكر كتاب النبي إلى هرقل المتقدم ذكره مع اختلاف قليل في اللفظ.

قال محمد تقي الدين في هذا الباب فوائد: الأولى: المباهلة، لما أقام النبي الحجج القاطعة على أن الله واحد لا شريك له في إلهيته ولا في ربوبيته ولا في أسمائه ولا في صفاته في محاجته لوفد نجران، وظهرت عليهم حجج الله على أن عيسى عبد الله وليس ابن الله وليس هو الله وليس ثالث ثلاثة كما يزعمون؛ ركبوا رؤوسهم وعاندوا؛ فأمر الله نبيه أن يباهلهم، ومعنى المباهلة (٣): أي يخرج كل فريق من الفريقين المتخاصمين أعز الناس إليه في الفضاء خارج البلد، فيدعو كل فريق منهما الله تعالى أن يلعن المبطل ويهلكه، ولم يستطع وفد نجران مباهلة النبي ؛ لعلمهم أنه رسول الله حقًا إلى جميع أهل الأرض، فاختاروا أن يعطوا الجزية ويدخلوا تحت حكم حاكم مسلم، مع أنهم كانت عندهم قوة عظيمة للقتال، وقد تقدم أن عدد المقاتلين منهم كان مائة وعشرين ألف مقاتل، ولم يكن عند النبي في ذلك الوقت مثل هذا العدد ولا عُشره، فإن النبي حين توجه إلى فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة كان جيشه مؤلفًا من عشرة آلاف مقاتل، هذه معجزة عظيمة للنبي يقر بها كل منصف.

الفائدة الثانية: اختلف الأئمة المتقدمون في جواز دخول الكافر المسجد (٤)، وفي هذا الخبر دليل على أن الراجح جواز دخوله إن أذن له أولو


(١) في مطبوع البخاري: «والصدق».
(٢) في مطبوع البخاري: «قدمه».
(٣) لصاحب هذه السطور جزء حافل في «المباهلة» وفقهها، وذكر أشهر ما وقع في التأريخ من المباهلات)، يسر الله له إتمامه ونشره.
(٤) الجواز قول أبي حنيفة، وبه قال الشافعي عدا المسجد الحرام، وانظر المسألة في:

<<  <  ج: ص:  >  >>