للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال محمد تقي الدين: في هذا الزمان يعبد المشركون الأنبياء، فالنصارى يعبدون عيسى، وهو نبي ويغلون فيه فيجعلونه هو الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، والجهال المنتسبون إلى الإسلام يعبدون بعض الأنبياء، فيستغيثون بالنبي فيقولون: يا رسول الله يا محمد، أعطنا وأغثنا، كما قال قائلهم:

يا رسول الله يا بحر الوفا … يا غياث المعتدي والمهتدي

إنني عبد ضعيفٌ وَجِلٌ … وذنوبي ما لها من عدد

فانظر إلى هذا الجاهل المشرك الذي يعتقد أن النبي لا يغيث المهتدين فقط، بل يغيث المعتدين أيضًا، ثم توجه إلى النبي في البيت الثاني يريد منه مغفرة ذنوبه، وهذا جهل عظيم، فإنه لا يغفر الذنوب إلا الله، والنبي لا يغيث أحدًا لا معتديًا ولا مهتديًا، وإذا كان يغيث المعتدي فهو إعانة له على الاعتداء، حاشاه من ذلك ويعبدون النبي شيئًا، وقد بنوا عليه قبة في الموصل، ويعبدون النبي يحيى وقد نصبوا له تابوتًا في وسط مسجد بني أمية في دمشق، ويعبدون ما لا يحصى من الأضرحة والقباب التي بنوها على قوم سموهم أولياء وكثير منها في وسط المساجد أو بقربها، وقد زين لهم الشيطان هذا العمل الذي هو معصية للرسول فقد تواتر نهيه عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن من فعل ذلك (١)، وقد تقدم الكلام في هذا، وقال قائلهم في عبادة الأولياء:

أولياء الإله إنّي مريض … والدواء لديكم والشفاء

انظروا لي بفضلكم في علاجي … وامنحوني بجودكم ما أشاء

قال الله تعالى في سورة الشورى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩].


(١) وردت أحاديث كثيرة في ذلك، سيأتي بعضها، وممن قال بتواتر أحاديث اتخاذ القبور مساجد: ابن حزم في «المحلى» (٤/ ٣٥)، وابن حجر في «الفتح» (١/ ٢٠٣)، والسخاوي في «فتح المغيث» (٣/ ٤٠٩، ط. المنهاج)، والكتاني في «نظم المتناثر» (١٦٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>