يخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ أي: بحجة وبرهان على ما تدعيه، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: بمجرد قولك اتركوهم نتركهم، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ يقولون: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها، ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ﴾ يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام، ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أي: أنتم وآلهتكم إن كانت حقًا ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: طرفة عين وقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي: تحت قهره وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه فإنه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة، ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له الذي بيده الملك، وله التصرف، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُم﴾ الآية، يقول لهم هود (١): ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له ﴿فَقَدْ﴾ قامت عليكم (٢) الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها، ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يعبدونه وحده لا يشركون به ولا يبالي بكم، فإنكم لا تضرونه بكفركم، بل يعود وبال ذلك عليكم، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي شاهد (٣) وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم، ويجزيهم عليها: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ وهو الريح العقيم، فأهلكهم الله عن آخرهم، ونجى هودًا وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه (٤).
الحاكم، وفي إسناده الحكم بن مصعب وهو مجهول كما في «التقريب»، وبه تعقبه الذهبي فقال: «الحكم بن مصعب فيه جهالة» فإسناده ضعيف. (١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «هو»! (٢) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «عليه»! (٣) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «مشاهد»! (٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (٧/ ٤٤٧ - ٤٤٩) بتصرف.