للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قيامهم وقعودهم عند فزعهم سكتوا عنهم، ولم ينبهوهم، حتى إذا جاء داع من أهل الحق، ودعاهم وأخبرهم أن ما هم عليه من الشرك الأكبر الذي يخرج من الملة، أحب ذلك المتعالم أن يدافع عن المشركين ويظهر العطف عليهم ويقول للداعي: إن التكفير أمر عظيم، وهؤلاء جاهلون، ولا يقصدون بأعمالهم عبادة غير الله تعالى، فإذا قال له الداعي: أنا ما كفرتهم وإنما أخبرتهم أن هذا الذي يعملونه شرك وكفر، يجب عليهم أن يتوبوا منه فقال المتعالم: وهذا أيضًا لا ينبغي، قل لهم: هذا حرام، وتلطف معهم في القول، وهذا المتعالم إنما يقول ذلك لجهل أو نفاق، فإما أن يكون جاهلًا لا يعرف التوحيد بأدلته من الكتاب والسنة، أو يكون عالمًا به ولكنه يتبع أهواء المشركين، وما أكثر هذا الصنف في هذا الزمان! لا كثرهم الله، والواجب على من أكرمه الله بالعلم أن يصدع به كما قال تعالى في آخر سورة الحجر: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٩]. فلما كفى الله رسوله الأمين المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر، فسيكفي كل من اتبعه شر المستهزئين، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر عباده الموحدين عليهم.

[الباب الثامن]

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]

قال (ك): «يخبر تعالى أنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه إليه المرجع والمآب (١)، فله الخلق (٢) والأمر، فأمر تعالى بعبادته والتوكل عليه، فإنه كاف من توكل عليه وأناب إليه، وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ليس يخفى عليه ما عليه مكذبوك يا محمد؛ بل هو عليم بأحوالهم وأقوالهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء، في الدنيا والآخرة، وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين» (٣).


(١) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وسيوفي كل عامل عمله يوم الحساب».
(٢) كذا في «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «الحق»!
(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٤٩٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>