للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

محمدًا أن يقول مثل هذا الكلام، وهو ثلاثة أمور:

﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ يعني: إنني فقير إلى الله كسائر الناس، كما قال تعالى في سورة فاطر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] ولذلك لا يجوز لأحد أن يسأل النبي شيئًا من خير الدنيا والآخرة، ولا دفع ضر أو عذاب، ولكنه يتوسل إلى الله تعالى بمحبة النبي واتباعه، فإنهما من أعظم الوسائل.

الأمر الثاني: إن النبي لا يعلم الغيب، وإنما يعلم منه ما علمه الله تعالى.

الأمر الثالث: حاجته إلى ما يحتاج إليه البشر من أكل وشرب واستراحة ونوم، وليس كالملائكة الذين يستغنون عن ذلك، فالقدرة الكاملة، والعلم الكامل، والغنى المطلق كل هذه خاصة بالله تعالى، فأنت ترى أن الاثنين من أولي العزم وهما محمد ونوح أي: أولهم وآخرهم تبرأ بأمر من الله تعالى من الصفات الثلاث المذكورة، فما أجهل المشركين الذين يتعلقون بالمخلوق ويتركون الخالق.

[الباب الثالث]

قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ قَالَ ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٥ - ٤٧]

قال : «هذا سؤال استعلام وكشف من نوح عن حال ولده الذي غرق ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، وَ ﴿وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: الذين وعدت [بإنجائهم] (١) لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «إنجائهم».

<<  <  ج: ص:  >  >>