قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام فوائد، أذكر بعضها:
الأولى: يظهر لي أن نوحًا سأل الله نجاة ابنه كنعان قبل أن يغرق، كما قاله الجمل، وكما قال الحافظ ابن كثير، أن السؤال سؤال استعلام، وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الذي غرق ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فكيف غرق، وأنت أحكم الحاكمين؟
الثانية: تأمل كلام الجمل، فإنه نفيس جدًا، يبطل اعتماد الجاهلين على النسب، وقد ضل في هذا الباب خلق كثير، فاعتقدوا أن كل من كانت له علاقة بنبي أو صالح لا يعذب في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه متعلق بحبيب من أحباء الله تعالى، والله لا يعذب بزعمهم من تعلق بأحد المحبوبين عنده، أو تعلق به أحد المحبوبين، كنوح وفي ذلك يقول مخاطبًا النبي ﷺ:
ألم يرضك الرحمن في سورة الضحى * وحاشاكَ أَنْ تَرْضى وفينا معذَّبُ
وهذا من أجهل الجاهلين، فإن لازمه أن لا يدخل النار أحد من أمة الإجابة، وقد تواترت الأخبار بأن بعض هذه الأمة المحمدية من الذين ماتوا مصرين على الكبائر يدخلون النار، ثم يخرجون منها بشفاعة النبي ﷺ، ومن أجل ذلك اخترع بعضهم حديث إحياء الأبوين، وإيمانهما بالنبي ﷺ ثم إماتتهما (١)، وردوا بذلك الحديث «الصحيح» الذي رواه مسلم (٢)، وهو قول النبي ﷺ للرجل الذي سأله: أين أبي؟: «إن أبي وأباك في النار» وردوا بذلك الحديث «الصحيح» الذي رواه (أ) و (ج) وابن أبي حاتم، أن النبي ﷺ مرّ بقبر أمه فاستأذن الله أن يزوره فأذن له ثم استأذن أن يستغفر لها، فلم يأذن له، فبكى وأبكى من حوله (٣).
وإنما قاس هؤلاء النبوة والصديقية والصلاح على الملك القيصري أو الكسروي، فقالوا بجهلهم: كيف يعذب ابن الملك أو أبو الملك أو صديق الملك؟
(١) سبق بيان وهائه. (٢) أخرجه مسلم (٢٠٣) من حديث أنس، وسبقت الإشارة إلى أحاديث الإحياء، وأنها لا أصل لها. انظر التعليق على (ص ٤٨٦). (٣) سبق تخريجه.