خلقكم منها، خلق منها أباكم آدم ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي: جعلكم عمارًا تعمرونها وتشغلونها ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [من سالف](١) ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه، ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦].
﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية، يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح ﷺ وبين قومه وما كان عليه قومه من الجهل والعناد في قولهم: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوا قَبْلَ هَذَا﴾ أي: كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وما كان عليه أسلافنا ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أي شك كثير، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي: خسارة، ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ الآية، تقدم الكلام عليها في (سورة الأعراف) بما أغنى عن إعادته، فلله الحمد والمنة (٢). انظر (الباب الخامس) من (سورة الأعراف).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: وهذا بعينه موجود في مشركي هذا الزمان؛ فإنهم يعتبرون العالم الذي يدعوهم إلى توحيد الله واتباع سنة رسوله ناقص العقل أحمق، ويعتبرون العالم الذي يسالمهم ولا ينكر عليهم ما هم فيه من الشرك عاقلًا حسن الخلق، يقدر الناس حق قدرهم، ويعاشرهم بالإحسان، فهذه سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولكن من شرح صدره للإسلام، وكان على نور من ربه، لا يبالي بعداوة المشركين، بل يجد في الدعوة إلى الله ويستنصر على أعداء التوحيد، فقد وعده بالنصر، والله لا يخلف الميعاد، قال تعالى في سورة المؤمن ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥١، ٥٢].
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «لسالف». (٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٧/ ٤٤٩ - ٤٥٠).