للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تطلب العلم كي تصحح حكمًا … ثم أغفلت منزل الأحكام.

وجوابه: أن يقال كذبت: علم الكلام ليس سيدًا للعلوم، وإنما هو عبد لهو من المتفلسفين، وسخافاتهم وهو بدعة ملعونة، إلا في حق من اضطر إليه ليدافع به عن الحق، ويلجم أهله، ويرميهم بأحجارهم، ويأخذهم بإقرارهم، ثم يقال له: نحن ما أغفلنا منزل الأحكام ولكنا وصفناه بما وصف به نفسه سبحانه وبما وصفه به رسوله الكريم متبعين في ذلك لنبيه وللصحابة والتابعين. وأقول في ذلك شعرًا معارضًا له (١):

أيها المغتدي لتطلب عِلمًا … اجْتَنِبُ جاهدًا ظلام الكلام

إنَّ علم الكلام ليس بعلم … إنَّما العلم شِرعة العلام

وكذلك علم الفروع إذا لم يكن معه علم الكتاب والسنة، كعلم الغزالي والبيضاوي والزمخشري، فهؤلاء كلهم جاهلون بالحديث، ومن جهل الحديث لم يستطع أن يفهم القرآن، فيكون محرومًا من علم الكتاب والسنة، كهؤلاء الثلاثة الذين حشوا كتبهم بالموضوعات والمتروكات والغرائب التي لا تخفى على المبتدئين في علم السلف، مع أن الغزالي كان عالمًا بالفلسفة وبدع المتصوفة، وعلم الفروع وأصول الفقه المبنية على شفا جرف.

الرابعة: إن المشركين جاهلون جهلًا مركبًا من جهلين: الأول: إنهم يجهلون توحيد الله واتباع رسوله الكريم. الثاني: إنهم يجهلون جهلهم كحمار الطبيب توما النصراني، الذي قال فيه بعض الشعراء:

قال حمار الحكيم توما … لو أنصفوني ما كنت أُرْكَبُ

لأنَّ جهلي غدا بسيطًا … وراكبي جَهْلُهُ مركب

ومن جهل هذا الطبيب أنه قرأ في كتاب «الحبة السوداء شفاء من كل داء» (٢) فرأى تحت الباء نقطتين خطأ فقرأها «الحية السوداء» فاصطاد حية سوداء وأحرقها وأخذ يعالج بها الناس، فكل عين عولجت بها عميت، وكل بطن عولج


(١) لم أجد البيتين في أي كتاب من كتب المصنف المطبوعة، وفاته الله أن يذكرهما في «ديوانه» الذي عنّ له جمعه بعد ضياع قسم من شعره، كما صرح به في أوله.
(٢) هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٥٦٨٨)، ومسلم (٢٢١٥) من حديث أبي هريرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>