تعالى علمه محيط بهم، فلا يخفى عليه منهم خافية، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] في آيات كثيرة في معنى ذلك ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ أي: من خوفه ورهبته ﴿مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من ادعى منهم أنه إله من دون الله أي مع الله ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ أي: كل من قال ذلك، وهذا شرط والشرط لا يلزم وقوعه كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]» (١).
فصل
قال محمد تقي الدين: نفهم من هذا الكلام أمورًا:
الأول: إن الله أنكر على المشركين اتخاذهم من دون الله آلهة مع أن تلك الآلهة مخلوقة لا خالقة ومتصرف فيها لا متصرفة، فلا تستطيع أن تخلق ذبابًا ولو اجتمعت له، ولا تستطيع أن تميت حيًّا ولا أن تحيي ميتًا، فعيسى والملائكة ومن عبد من الأنبياء والصالحين مخلوقون مربوبون لا ينفعون ولا يضرون، فمن عبدهم خاسر في الدنيا والآخرة، وسيقول المشرك الجهول: نحن لا نتخذ الصالحين آلهة ولا نعبدهم!
وقد تقدم الرد على هذا الادعاء في مواضع كثيرة، ونزيد هنا فنقول: لو علمتم معنى لا إله إلا الله لعلمتم معنى العبادة، ولأقررتم بأنكم اتخذتم آلهة من دون الله وعبدتموهم، فإن كل من عبدته فقد اتخذته إلها، والعبادة ما يتقرب به إلى الله تعالى كالدعاء والاستغاثة والاستعانة بغير طريق الأسباب، والخوف بالغيب والرجاء والتوكل والذبح والنذر وجعل التحليل والتحريم لهم إلى غير ذلك.
الثاني: في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ واضح، فتوحيد النظام يدل على وحدة المنظم، ووحدة الخط وتناسقه يدلان على وحدة