آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ (١) أي: كنا عالمين أنه أهل لذلك، ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ أي: معتكفون على عبادتها.
وقوله: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال، ولهذا قال: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم، فلما سفه أحلامهم وضلّل آباءهم واحتقر آلهتهم ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ يقولون: هذا الكلام الصادر منك (٢) تقوله لاعبًا أو محقًا فيه؟ فإنا لم نسمع به قبلك.
﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي: ربكم الذي لا إله غيره هو الذي خلق السماوات والأرض وما حوت من المخلوقات التي (٣) ابتدأ خلقهن، وهو الخالق لجميع الأشياء ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: وأنا أشهد أن لا إله غيره ولا رب سواه. وقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.
قال (ك): «ثم أقسم الخليل قسمًا أسمعه بعض قومه، ليكيدن أصنامهم أي: ليحرصن على أذاهم وتكسيرهم بعد أن يولوا مدبرين (٤)، وكان لهم عيد يخرجون إليه، قال السدي: لما اقترب وقت ذلك العيد، قال أبوه: يا بني لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه إلى الأرض وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، فجعلوا يمرون عليه وهو صريع، فيقولون: مه، فيقول: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ فسمعه أولئك.
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وكان أصلًا». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «عنك». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الذي». (٤) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أي إلى عيدهم».