للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقوله: ﴿جُذَاذًا﴾ أي: حطامًا كسرها كلها ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ يعني: إلا (١) الصنم الكبير عندهم، كما قال ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣].

وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ذكروا أنه وضع القدوم في يد كبيرهم لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار بنفسه، وأنف أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار، فكسرها ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها، وعلى سخافة عقول عابديها ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: في صنيعه هذا ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: قال من سمعه يحلف أنه ليكيدنهم، ﴿سَمِعْنَا فَتًى﴾ أي: شابًا ﴿يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ قال ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيًا إلا شابًا ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب (٢)، وتلا هذه الآية: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَاهِيمُ﴾.

وقوله: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ أي: على رؤوس الأشهاد في الملأ الأكبر بحضرة الناس كلهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم ، أن يبين (٣) في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم، وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام التي لا تدفع عن نفسها ضرًا ولا [تملك] (٤) لها نصرًا، فكيف يطلب منها شيء من ذلك ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ يعني: الذي تركه ولم يكسره ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، وإنما أراد بهذا أن يبادروا من تلقاء أنفسهم فيعترفوا أنهم لا ينطقون [وأن] (٥) هذا لا يَصْدُرُ عن هذا الصنم، لأنه جماد، وفي «الصحيحين» (٦) من حديث


(١) من مطبوع «تفسير ابن كثير»: وسقط من الأصل.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٤٥٥) رقم (١٣٦٧١) من طريق سعيد بن منصور عن جرير بن عبد الحميد عن قابوس عن ابن عباس، وقابوس هذا هو ابن أبي ظبيان، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (٧/ ١٩٣) رقم (٨٦١): قال أحمد بن عبد الله عن جرير بن عبد الحميد: أتيناه - أي: قابوسًا - بعد فساده، فهو ضعيف، ولكن لا يترك، كما في «سؤالات البرقاني للدارقطني» (٤١٨)، ولم يدرك ابن عباس، فإسناده ضعيف.
(٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يتبين».
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «تستطيع».
(٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «فإن».
(٦) أخرجه البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٧١)، وخرجته مفصلًا في كتابي «من قصص الماضين من حديث سيد المرسلين» (ص ٨٩ - ٩٣)، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

<<  <  ج: ص:  >  >>