قال (رح): «وقوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ﴾ أي: إنما أمرت بإخلاص العبادة الله وحده لا شريك له، ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال السدي: يعني من أمته ﷺ».
قال (رح): يقول تعالى: قل يا محمد، وأنت رسول الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يوم القيامة، وهذا شرط، ومعناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ﴾ وهذا أيضًا تهديد وتبرؤ منهم، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: إنما الخاسرون كل الخسران ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: تفارقوا فلا التقاء لهم أبدًا سواء ذهب أهلوهم إلى الجنة، وقد ذهبوا (١) إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور، ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي: هذا هو ﴿الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (٢) الظاهر الواضح، ثم وصف حالهم في النار فقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ وقوله: ﷻ: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ أي: إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده، ليزجروا عن المحارم والمآثم، وقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ أي: اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.
قال (رح): ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ فهؤلاء هم الذين ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، ثم قال ﷿: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي: يفهمونه ويعملون بما فيه كقوله ﵎ لموسى ﵊ حين آتاه التوراة ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥]. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين
(١) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «هم». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الخسار البين».