للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[فصل]

قال محمد تقي الدين: فائدة: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ، سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ معناه: يلقى سوء العذاب بوجهه لا يستطيع أن يتقيه بيديه، لأن يديه مغلولتان إلى عنقه، وهو في هذه الحال؛ يوبخ فيقال له ولأمثاله من المشركين: ﴿ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ من الشرك بالله، والاعتداء على خلق الله، كيف يستوي من هذه حاله مع من يجيء آمنًا قد بشر برضوان الله تعالى وكرامته؟ وقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا … ﴾ إلى آخره، كل أمة قامت عليها حجة الله بإرسال رسول ونزول كتاب فنبذت كتاب الله وراء ظهورها، وعصت رسوله، يذيقها الله الخزي في الحياة الدنيا، وما أعد الله لها من العذاب في الآخرة أعظم مما يصيبها في الدنيا.

فائدة ثانية: ما أبلغ هذا المثل الذي ضرب الله للمشركين والموحدين، فالمشركون في هذا الزمان يعبدون كل من يسمى وليًا في اصطلاحهم، وعلامته أن تبنى عليه قبة ويقصده المشركون لقضاء حاجاتهم، ويتزلّفون له بالذبح والنذر والتمسح بتابوت قبره، والخضوع له والاستغاثة به، والشكوى إليه، وهؤلاء الأولياء مبثوثون في كل مكان، والمشرك يخافهم ويرجوهم، ويكون قلبه موزعًا بينهم يحاول أن يرضيهم جميعًا ويخاف غضبهم، وذلك عذاب مُعجَّل. أما الموحد فإنه لا يعبأ بوجودهم، فهو آمن مطمئن أنهم لا ينفعون ولا يضرون، ولا يملكون مثقال ذرة، فيكون خوفه ورجاؤه كله لله، قائلًا: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].

[الباب السادس]

قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ


= دار السعادة» (ص ٤١٠)، وفي «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢ و ٣١٩ - ٣٢٠) كلام واسع مهم على المثل المذكور، فلينظر.

<<  <  ج: ص:  >  >>