للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٨]

قال (كله): يقول تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقرأ بعضهم (١): (عباده)، يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه، وقال الترمذي بسنده وصححه عن فضالة بن عبيد الأنصاري، أنه سمع رسول الله ، يقول: «أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا وقنع به (٢) ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ يعني: المشركين يخوفون الرسول ويتوعدونه بالهتهم (٣) التي يدعونها (٤) من دون الله جهلًا منهم، وضلالًا، ولهذا قال ﷿: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ﴾ أي: منيع الجناب لا يضام من استند إلى جنابه، ولجأ إلى بايه، فإنه العزيز الذي لا أعز منه، ولا أشد انتقامًا منه ممن كفر به، وأشرك وعاند رسوله ، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله﴾؛ يعني: المشركين، كانوا يعترفون بأن الله ﷿ هو الخالق للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره مما (٥) لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ


(١) هذه قراءة أبي جعفر ومجاهد وابن وثاب وطلحة وخلف والأعمش وحمزة والكسائي والسلمي وشيبة. انظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٢٩)، «حجة القراءات» (٦٢٢)، «السبعة» (٥٦٢)، «تفسير الكشاف» (٣/ ٣٣)، «تفسير ابن عطية» (١٢/ ٥٣٩)، «الدر المصون» (٦/ ١٦)، «تفسير الآلوسي» (٤/ ٢٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٤٩)، وابن حبان (٢٥٤١)، وابن المبارك في الزهد (٥٥٣)، والحاكم (٤/ ١٢٢) وصححه، وقال شيخنا الألباني في «الصحيحة» رقم (١٥٠٦) عن تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي له: «وهو كما قالا». وأخرج مسلم (١٠٥٣)، والترمذي (٢٣٤٨)، وأحمد (٢/ ١٦٨)، والفسوي (٢/ ٥٢٣)، والبيهقي (٤/ ١٩٦)، وأبو نعيم (٦/ ١٢٩) من حديث عبد الله بن عمرو رفعه: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا [فصبر عليه]، وقنعه الله بما آتاه». وورد في الكفاف ومعناه أحاديث كثيرة، ذكرتُ طرفًا منها في تعليقي على «السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم» للسخاوي (ص ١١٩ - ١٢١).
(٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «بأصنامهم وآلهتهم».
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يعبدونها».
(٥) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «ممن».

<<  <  ج: ص:  >  >>