والمعنى أن رفاعة بن زيد شاخ في الجاهلية، فلذلك ظن ابن أخيه قتادة بن النعمان أن إسلامه مدخول حتى رآه وهب السلاح في سبيل الله زيادة على ما خسر من حمل الدرمك، فعلم أن إيمانه صحيح ويناسب معنى عسا هناك قول الشاعر:
لولا الحياء وأن رأسي قد عسا … فيه المشيب لزرت أم القاسم
وفي كتب اللغة من معاني عسا:«اشتد وغلظ»(١)، فمعنى عسا فيه المشيب: اشتد وانتشر، فمنعه الحياء وشيب رأسه من زيارة أم القاسم زيارة ريبة.
قوله:(لحق بشر بالمشركين) أظن هذا أيضًا من تحريف (٢) الناشرين، والذي في «تفسير القاسمي»: «لحق بشير» والظاهر أنه هو الصحيح؛ لأن بشيرًا هو الذي كان يهجو أصحاب رسول الله وينحل الهجاء للكفار، والظاهر أيضًا أنه هو الذي سرق وساعد أخواه أو إخوته - على أن طعمة المذكور سابقًا أخ لهم - بل ساعدهم كثير من أهل الدار أيضًا كما تقدم.
التاسعة: ظاهر السياق أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآية [النساء: ١١٥] نزلت (٣) في بشير بن أبيرق الذي أعلن ردته، وسواء كان هذا سبب نزولها أو لم يكن، فإن من العموم تشمل كل من اتصف بمضمون الآية، فالمقلد الذي يقضي بالتقليد أو يفتي به، فيسفك الدماء ويحل الفروج وينقل الأموال من ملك شخص إلى شخص آخر بلا برهان ولا هدى ولا كتاب منير هو من المشاقين للرسول؛ لأنه يحلل ويحرم بلا برهان.
قوله:(فأخذت رحله) الرحل: للبعير كالسرج للفرس، ولم يكن له متاع في بيتها إلا رحل ناقته فألقته في الأبطح خارج مكة إلى جهة منى؛ لأنه جلب
(١) انظر: «لسان العرب» (١٥/ ٥٤ - عسا). (٢) في الأصل: «تحريض»! (٣) ورد ذلك مصرحًا به عند ابن جرير (٥/ ١٧١ - ١٧٢) من معضل عبد الرحمن بن زيد، وهو متروك، ومن معضل السدي عند ابن جرير وابن أبي حاتم في «التفسير» (٤/ رقم ٥٩٦٧) وفيه أسباط بن نصر ضعيف، ومن مرسل عكرمة عند ابن جرير أيضًا، وفيه انقطاع، ومثله مرسل الضحاك، وأخرجه عبد الرزاق (١/ ١/ ١٧٢)، وابن جرير (٥/ ١٧٤)، وابن أبي حاتم (٤/ رقم ٥٩٦٥) في «تفاسيرهم» من مرسل قتادة، وعزاه في «الدر» (٢/ ٦٧٦) لعبد بن حميد وابن المنذر وعزاه لابن المنذر عن مرسل الحسن، وفيه أيضًا التصريح بسبب النزول، وهذه الطرق لا تنهض للجزم بأن سبب نزول الآية هذه الحادثة، والله أعلم.