للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاصرفني عنه واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به».» (١).

وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أي: يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله، ولهذا قال تعالى أمرًا لعباده (٢) المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار، ولا يخافوا أحدًا إلا الله، فقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠] أي: لا تخافوهم في مخالفتكم إياهم واخشوني أنصركم عليهم وأبيدهم (٣) وأظفركم بهم، واشف صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه وكل شيء أخبر به فهو الحق والصدق (٤) لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة، ولهذا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ أي: فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي أحبه (٥) ورضيه وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه، وبعد هذه الآية لا يحتاج المؤمنون المسلمون إلى زيادة أبدًا، قد أتم الله الإسلام فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه فلا يسخطه أبدًا، وقد نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ومات رسول الله بعد عرفة بأحد وثمانين يومًا.

روى الإمام أحمد عن طارق بن شهاب قال: «جاء رجل من اليهود إلى


(١) أخرجه البخاري (١١٦٢)، وأبو داود (١٥٣٨)، والترمذي (٤٨٠)، والنسائي (٦/ ٨٠)، وابن ماجه (١٣٨٣).
(٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «عباده».
(٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وأبيدهم».
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «حق وصدق».
(٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أحبه الله».

<<  <  ج: ص:  >  >>