«قد ذم الله ﵎ التقليد في غير موضع من كتابه فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]»(١). ثم ذكر الآيات والآثار التي تقدم ذكرها في (الباب الرابع) من (سورة البقرة)، و (الباب الأول) من (سورة النساء)، ومضى إلى أن قال فيما رواه بسنده عن الحسين بن علي من آل علي بن أبي طالب: «وكان أفضل [أهل زمانه](٢):
تريد تنام على ذي الشبه … وعلك إن نمت لم تَنْتَبِه
فجاهد وقلد كتاب الإله … لتلقى الإله إذا مت به
فقد قلد الناس رهبانهم … وكلُّ يجادل عن راهبه
وللحقِّ مُسْتَنبِطُ واحدٌ … وكلُّ يرى الحق في مذهبه
[ففيما](٣) أرى عجب غير أن … بيان التفرق من أعجبه»
ثم قال: «ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المرادون بقول الله ﷿: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه [للقبلة](٤) إذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، وذلك - والله أعلم - لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم والقول في العلم، وقد نظمت في التقليد وموضعه أبياتًا رجوتُ في ذلك جزيل الأجر لما علمت أن من الناس من يسرع إليه حفظ المنظوم ويتعذر عليه المنثور، وهي من قصيدة لي (٥):
يا سائلي عن موضع التقليد خُذْ … مني (٦) الجواب بفهم لُبِّ حاضر
واصغ (٧) إلى قولي ودن بنصيحتي … واحفظ علي بوادري ونوادري
(١) انظر: «الجامع» (٢/ ٩٧٥). (٢) في مطبوع «الجامع»: «أهل بيته وزمانه في وقته». (٣) في مطبوع «الجامع»: «ففي ما». (٤) في مطبوع «الجامع»: «بالقبلة». (٥) الشعر لابن عبد البر في الجامع (٢/ ٩٩٠)، ونقله المصنف في كتابه «الحسام الماحق» (٤٦، ٤٧)، و «مختصر هدي خليل» (٨٩، ٩٠). (٦) في مطبوع «الجامع»: «عني». (٧) في الأصل: «واصخ»! والمثبت من «جامع ابن عبد البر».