قال محمد تقي الدين: اعلم أن دين الرسل واحد في أصوله، وهي أربعة: توحيد الله في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته، ومن توحيده في عبادته جعل الحكم له. الثاني: الإيمان بجميع الرسل وبجميع الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه من عرفنا منهم ومن لم نعرف. الثالث: إقامة العدل بين الناس لا تفضيل لشعب على شعب ولا لفرد على فرد إلا بتقوى الله العظيم وما خص الله به الأنبياء من الوحي والعصمة لا يشاركهم في ذلك أحد. الرابع: حسن الخلق ورحمة أهل الأرض كلهم حتى البهائم. فهذه لا يختلف فيها رسول ورسول ولا ملة وملة.
أما الشرائع كالحلال والحرام والعقوبات على الجرائم، فإنها كانت مختلفة في شرائع الأنبياء السابقين قبل بعثته خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه، أما بعد بعثته فجميع بني آدم لهم ملة واحدة يجب عليهم اتباعها وهي الإسلام عقيدة وشريعة، ومن أبى من أهل الكتاب أن يدخل في الإسلام ويدين الله به وارتبط مع المسلمين بعهد وذمة فله شريعته يحكم بها في الدنيا، أما بالنسبة إلى الآخرة فكل من بلغته دعوة خاتم النبيين على وجهها كما بلغها أصحاب رسول الله ﷺ إلى فارس والروم ومصر وبعض أهل الهند وخراسان ولم يؤمن بها ويدن الله بها فإن الله يعذبه عذابًا شديدًا، وأما من لم تبلغه أو بلغته مشوهة مبدلة فنكل أمره إلى الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] والآيات في هذا المعنى كثيرة في القرآن ولا يظلم ربك أحدًا.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ يمنع اتباع الفرق والمذاهب ويجعل أهل الحق أمة واحدة، فمن حاد الله ورسوله وشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين وهم أصحاب رسول الله ﷺ وسائر القرون المفضلة يوله الله ما تولى ويُصْلِه جهنم وساءت مصيرًا.
وقلت في قصيدة (١):
(١) سبقت الأبيات مع فرق يسير وزيادة عما هنا، وهي ضمن قصيدة طويلة جدًا ذكرها في كتابه «الدعوة إلى الله» (ص ٦٣ - ٦٦)، وترى منها أبيات في (١/ ٥٧٢ - ٥٧٣)، وتكلمنا هناك عن مناسبة إنشائه لها.