للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


المسلم» وهذا الواجب يأثم المسلم بتركه مع القدرة عليه، فإن عجز أو لم تكن الشروط متوافرة انتفى الإثم، والله أعلم.
والذي دعانا إلى الحديث عن البيعة كثرة ذكر أحاديث البيعة في العمل الإسلامي الجماعي، وكثير من «التنظيمات» تورد هذه الأحاديث للتأثير على الآخرين، وإقناعهم بضرورة الانتظام في صفوفها، فينشأ عن ذلك اقتناع بأن جميع الذين ليس في عنقهم بيعة، كبيعة «التنظيم» آثمون، ويُخشى أن يموتوا ميتة جاهلية!!.
وهذا خطأ في الفهم يؤدي إلى مواقف متشنجة.
وأنقل إليك - أخي القارئ - أقوال ثلة من العلماء المعروفين، ليزداد الأمر وضوحًا، وليظهر الحق جليًا، دون غموض أو لبس:
قال الإمام أحمد في «مسائل ابن هانئ» رقم (٢٠١١) بعد أن أورد قوله : «ومن مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية» مجيبًا إسحاق بن إبراهيم بن هانئ، عندما سأله: ما معنى هذا الحديث؟ فقال: «تدري ما الإمام؟ الذي يجتمع المسلمون عليه كلهم. يقول: هذا إمام، فهذا معناه».
وقال الكشميري في «فيض الباري» (٤/ ٥٩):
«اعلم أن الحديث يدل على أن العبرة بمعظم جماعة المسلمين، فلو بايعه رجل أو اثنان أو ثلاثة فإنه لا يكون إمامًا ما لم يبايعه معظمهم، أو أهل الحل والعقد».
قلت: وعليه فلا ينطبق الوعيد في ترك البيعة الوارد في قوله : من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية إلا على الإمام الذي يجتمع عليه المسلمون. أما إذا لم يكن لهم إمام فلا ينطبق هذا الوعيد، يدلك على ذلك أن النبي أرشد حذيفة عند عدم وجود الجماعة والإمام بأن يعتزل، فهل نرى أن النبي يرشد حذيفة إلى أن يموت ميتة جاهلية؟! كلا، وبهذا تعرف خطأ من يتمسك بهذا الحديث فيوجب به مبايعة إمام قبل أن يقوم بالدعوة والبيان، وأن تعرف أن النبي لم يبايع الأنصار إلا بعد أن صدع بالحق وبين، ولم تكن بيعته هذه إلا على الإيمان وحده، والاستمساك بفضائل الأعمال، والبعد عن مناكرها. وكانت البيعة الثانية تمكينًا للهجرة، وتوثيقًا لموقف الأنصار من الرسول ، واطمئنانًا إلى صفاء الجو في المدينة.
وقال السيد الآلوسي في «تفسيره» من تفسير «سورة الجمعة» في باب الإشارة عند قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ متكلّمًا على الرابطة بين المتصوفة، فقال عنهم:
«وقالوا بالرابطة، ليتهيأ ببركتها القلب لما يفاض عليه، ولا أعلم لثبوت ذلك دليلًا يعول عليه عن الشارع الأعظم ، ولا عن خلفائه ، وكل ما يذكرونه في هذه المسألة، ويعدونه دليلًا. لا يخلو من قادح. بل أكثر تمسكاتهم فيها، تشبه التمسك بحبال القمر، ولولا خوف الإطناب لذكرتها مع ما فيها».
فأنت ترى هذا العالم الجليل الواسع الاطلاع، الواقف على ما قال أنصار هذه الطريقة في الاستدلال على الرابطة والتوجه، لم يعثر لهما على دليل، ولم يُرْضه شيء مما قيل.

<<  <  ج: ص:  >  >>