للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


فهل كانت تخفى عليه مثل الأحاديث السابقة. وهي مشهورة مستفيضة عند المبتدئين في الطلب فضلًا عن أمثاله من المتبحرين الموسوعيين؟!
وعلى فرض خفائها عليه، فهل تخفى على أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - فإنه سئل هل يجوز للمبتدئ أن يأخذ على نفسه عهدًا لمعلم بحيث يقوم معه إذا قام بحق أو باطل، ويعادي من عاداه، ويوالي من والاه؟ فكان جوابه المسطر آنفًا، ولم يتعرض للاحتجاج بالأحاديث السابقة مطلقًا، فلو كان هذا مقامها، فإنها غير خافية عليه، يعلم ذلك المطلع على كتبه، لا سيما «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية».
ومن ثم … فإن ابن عابدين - رحمه الله تعالى - سئل:
رجل من الصوفية أخذ العهد على رجل، ثم اختار الرجل شيخًا آخر، وأخذ عليه العهد. فهل العهد الأول لازم، أم الثاني:
فأجاب كما في «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٢/ ٣٣٤) بقوله:
«الجواب: لا يلزمه العهد الأول ولا الثاني، ولا أصل لذلك» وكذلك قال السيوطي في «الحاوي للفتاوى» (١/ ٢٥٣) وقال محمود خطاب السبكي في «الدين الخالص» (٦/ ٢٩٠).
«وأما ما يقع من متصوفة الزمان من وضع أيديهم في أيدي الرجال والنساء، ومعاهدتهم على أن يكونوا تلامذة لهم، ليتمشيخوا عليهم، ويشاركوهم في أموالهم، تارة بالأكل في بيوتهم، وتارة بضرب عوائد يدفعونها في وقت معين، كأنها جزية تؤخذ بالجبروت، فهو إجرام وإفساد خارج عن حدّ الشرع ولا يقره عقل، نسأل الله لنا ولجميع الأمة كمال الهداية، وتمام التوفيق».
ولم يقتصر الإنكار على هؤلاء العلماء المتأخرين، بل سبقهم إليه عالم من كبار ثقات التابعين، هو: مُطَرِّف بن عبد الله بن الشخير، فأخرج أبو نعيم في «المحلية» (٢/ ٢٠٤) ومن طريقه الذهبي في «سير أعلام النبلاء»: (٤/ ١٩٢): بإسناد صحيح إلى مُطَرِّف قال: كنا نأتي زيد بن صوحان، وكان يقول:
يا عباد الله أكرموا وأجملوا، فإنما وسيلة العباد إلى الله بخصلتين: الخوف والطمع، فأتيته ذات يوم وقد كتبوا كتابًا، فنسقوا كلامًا من هذا النحو: «إن الله ربنا، ومحمدًا نبينا، والقرآن أمامنا، ومن كان معنا كنا وكنا له … ، ومن خالفنا كانت يدنا عليه، وكنا وكنا» قال:
فجعل يعرض الكتاب عليهم رجلًا رجلًا، فيقولون: أقررت يا فلان؟ حتى انتهوا إليَّ فقالوا: أقررت يا غلام؟ قلت: لا.
قال - يعني زيدًا -: لا تعجلوا على الغلام، ما تقول يا غلام؟
قلت: إنَّ الله قد أخذ علي عهدًا في كتابه، فلن أحدث عهدًا سوى العهد الذي أخذه علي.
فرجع القوم من عند آخرهم، ما أقر منهم أحد، وكانوا زهاء ثلاثين نفسًا» انتهى.

<<  <  ج: ص:  >  >>