للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


وزيد بن صوحان كان يقوم الليل، ويكثر الصيام، وإذا كانت ليلة الجمعة أحياها، فإنه كان يكرهها إذا جاءت، مما كان يلقى فيها، فبلغ سلمان ما كان يصنع، فأتاه فقال: أين زيد؟ قالت امرأته: ليس هاهنا.
قال: فإني أقسم عليك لما صنعتِ طعامًا، ولبست محاسن ثيابك، ثم بعثت إلى زيد. فجاء زيد، فقرب الطعام، فقال سلمان كُل يا زييد قال: إني صائم. قال: كل زبيد لا ينقص - أو تنقص دينك - إن شر السير الحقحقة - وهو المتعب من السير، وقيل: أن تحمل الدابة على ما لا تطيقه - إن لعينك عليك حقًا، وإن لبدنك عليك حقًا، وإن لزوجتك عليك حقًا، كل يا زييد، فأكل، وترك ما كان يصنع. وانظر: «تاريخ بغداد» (٨/ ٤٣٩)
ومنه تعلم وجه إنكار مطرف عليه، فإن زيدًا يومها كان من المغالين في الطاعة، إلا أنه ترك ما كان يصنع، كما تقدم.
ولم يكن مطرف من المبتعدين عن الجماعة، فإنه كان يقول - كما في «الحلية» (٢/ ٢٠٨): «ما أرملة جالسة على ذيلها بأحوج إلى الجماعة مني».
فإنه - رحمه الله تعالى - كان وقافًا عند الشرع، بعيدًا عن أهل البدع، فقد أتت الحرورية مطرفًا يدعونه إلى رأيهم، فقال:
يا هؤلاء، لو كان لي نفسان، بايعتكم بإحداهما وأمسكت الأخرى، فإن كان الذي تقولون هدى أَتْبَعْتُها الأخرى. وإن كانت ضلالة، هلكَتْ نَفْسٌ وبقيت لي نفس، ولكن هي نَفْسٌ واحدة لا أُغرُرُ بها، انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٤٣)، «السير» (٤/ ١٩٥) والحاصل: إنَّ القول بأنَّ إعطاء «البيعة» للمشايخ والجماعات مشروعة للأحاديث الواجبة في بيعة أمير المؤمنين، مجازفة من القول، وبعد عن الصواب، ولا مشابهة بين «بيعة» المشايخ وغيرهم وبيعة أمير المؤمنين لاختلاف آثار البيعتين، فلو كانتا متشابهتين لتفطن إلى ذلك ابن تيمية وابن عابدين والسبكي وغيرهم، ولترتب على ذلك آثار لا يقول بها عاقل. فضلًا عمن شم رائحًا من علم أو فقه.
وذكر ابن القيم في إغاثة اللهفان (١/ ١٢٥ - ١٢٦) أن من كيد الشيطان بالصوفية:
أمرهم بلزوم زي واحد، ولبسة واحدة، وهيئة ومشية معينة، وشيخ معين، وطريقة مخترعة، ويفرض عليهم لزوم ذلك، بحيث يلزمونه كلزوم الفرائض، فلا يخرجون عنه، ويقدحون فيمن خرج عنه ويذمونه ثم قال - رحمه الله تعالى -.
وهؤلاء اشتغلوا بحفظ الرسوم عن الشريعة والحقيقة، فصاروا واقفين مع الرسوم المبتدعة، ليسوا مع أهل الفقه، ولا مع أهل الحقائق، فصاحب الحقيقة أشد شيء عليه التقيد بالرسوم الوضعية. وهي من أعظم الحجب بين قلبه وبين الله، فمتى تقيد بها حبس قلبه عن سيره، وكان أخس أحواله الوقوف معها، ولا وقوف في السير، بل إما تقدم وإما تأخر، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾. انتهى.
قال أبو عبيدة: لا بد للعاملين للإسلام أن يبقوا مستحضرين أهدافهم السامية، متمسكين =

<<  <  ج: ص:  >  >>