بها، حريصين على نهج سلفهم الصالح، بعيدين عن الآصار والأغلال، التي تجعلهم يتقوقعون على أنفسهم، فتظهر فيهم كثير من العوارض المرضية، من ظن فاسد في الناس عموما أو في غيرهم من الدعاة خصوصا، وطالما سمعنا التراشق بالعبارات، التي تصل إلى حد الاستتابة لبعضهم البعض!! وحينئذ يجمعون بين هذا الظن الفاسد، والتعصب الحاضر، فتكون النتيجة بطلان الأجر أو تنقيصه، والعياذ بالله تعالى. القضية الثانية: ما المقصود بـ «الجماعة» التي يأثم المسلم بتركها؟ هل المقصود «التنظيمات» الموجودة في عصرنا، والموزعة في أرجاء الأرض؟ أو أن المقصود «جماعة المسلمين» المجتمعين على بيعة سلطان مسلم؟ والذي يظهر من النصوص بقوة: إن المعنى المتعين لـ «الجماعة التي يأثم المسلم بمفارقتها» هو «جماعة المسلمين الذين على رأسهم إمام مسلم». وإبراز هذا المعنى ضروري في هذه الأيام؛ لأن النظر إلى «التنظيم» على أنه المقصود بـ «الجماعة» الواردة في النصوص، يسيطر - عمليا - على مواقف ومشاعر الكثرة الكاثرة من الذين يتحركون في إطار التنظيمات الإسلامية المعاصرة … ويظهر هذا الفهم الخاطئ في أجلى صوره حين يترك فرد أو مجموعة، تنظيما من التنظيمات القائمة … وهذا يؤدي إلى مآس نفسية وأخلاقية مدمرة. لذلك … فإننا نؤكد أن كل تنظيم من التنظيمات، أو حركة من الحركات، أو جماعة من الجماعات. إنما هي جماعة من المسلمين، وليسوا - متفرقين أو مجتمعين - جماعة المسلمين. كما أن الذي لا ينتسب إلى تنظيم إسلامي، أو حركة إسلامية … فإنه لا يكون مفارقا للجماعة، وإذا مات لم تكن ميتته جاهلية، بل إن المتعصبين للأسماء والشارات واللافتات والأسماء هم في جاهلية، فقد قال النبي ﷺ فيما ثبت عنه لما سمع رجلا يقول: «يا للأنصار» ويقول آخر: «يا للمهاجرين» قال ﷺ: «أجاهلية وأنا بين ظهرانيكم» فكل من يعقد سلطان الحب والبغض والولاء والبراء على أسماء دون حقائق الأشياء فهو في جاهلية! وأخيرا … يدعونا انتشار الفهم الخاطئ لمعنى الجماعة التي يأثم المسلم بمفارقتها إلى التأكيد على أن الأخوة بين المسلمين، إنما هي بأصل الإيمان ﴿إِنَّما المُؤمِنونَ إِخوَةٌ﴾ وليسوا إخوة لانتمائهم لتنظيم ما أو حركة من الحركات. ومما يؤكد هذا ما قاله الإمام الشافعي في «الرسالة» (ص ٤٧٥): «إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت أبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار. فلم يكن في لزوم الأبدان معنى؛ لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما». وكلامه ﵀ جيد متين، جدير بالتأمل، وهو موافق لما سنذكره: إن أي جماعة من الجماعات إنما هي من المسلمين، لا جماعة المسلمين.