يترددون في القضية (١) بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله ﷺ ما بهرهم، وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك (٢)، كان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم، ولهذا أيضًا لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله ﷺ قال له:«أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك»(٣). وقد قيض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له: ابن النواحة، ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة، فأرسل إليه ابن مسعود فقال له: إنك الآن لست في رسالة، وأمر (٤) فضربت عنقه (٥)، لا ﵀ ولعنه.
والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام، في أداء رسالة، أو تجارة، أو طلب صلح، أو مهادنة، أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أمانًا أعطي أمانًا، ما دام مترددًا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه، لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك، فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة، قولان عن الإمام الشافعي (٦) وغيره من العلماء ﵏.
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، يبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك السيف المرهف،
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «قضية». (٢) انظر القصة مفصلة في: «صحيح البخاري» (٢٧٣١، ٢٧٣٢). (٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٧)، وأبو داود (٢٧٦١)، والطحاوي في «المشكل» (٢٨٦٣)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٣٠٩)، والحاكم (٢/ ١٤٢ - ١٤٣ و ٣/ ٥٢)، والبيهقي (٩/ ٢١١)، وفي «الدلائل» (٥/ ٢٣٢) من حديث نُعيم بن مسعود الأشجعي، وهو صحيح بطرقه وشواهده. (٤) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «به». (٥) بنحوه في «مسند الطيالسي» (٢٥١)، ودلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٣٣٢)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٥٩ - ٢٦٠/ ط هجر). (٦) انظر: «الأم» (٤/ ٢٠١)، و «الأوسط» لابن المنذر (١١/ ٣٣٣)، و «الإنجاد في أبواب الجهاد» (٢/ ٣٣١ - بتحقيقي).