عنك هذا الوثن) (١)، فعلم بذلك أن كل شيء عبد من دون الله أو حمل للتبرك به فهو وثن، فالقباب التي يعبدها المشركون، والقبور التي تعبد والأشجار والمياه والأحجار كلها أوثان، وقد قال النبي ﷺ:«اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(٢). رواه مالك في «الموطأ»، وإنما نهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ المساجد عند القبور، لعلمه أن تحري العبادة عندها يفضي إلى اتخاذها أوثانًا تعبد من دون الله، كما هو مشاهد في هذا الزمان، ثم انظر إلى قول النبي ﷺ:«فذلك عبادتهم»، يعني: إن من جعل الحكم لشخص يحلل ويحرم برأيه، ولا يطالب بدليل من الكتاب والسنة، فقد عبده، قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم - وهو شرحه لخمسين حديثًا من جوامع الكلم -: قال ابن هبيرة: من مكايد الشيطان أن يقيم أوثانًا في المعنى تعبد من دون الله مثل أن يتبين لأحدهم الحق، فيقول ليس عليه مذهبنا، تعظيمًا لمقلد - بفتح اللام عنده - قد قدمه على الحق»(٣). انتهى.
فالتحليل والتحريم والإيجاب والاستحباب والكراهة إذا قيدها المتعصب بالمذهب، ولم يبال بمخالفة الدليل عن النبي ﷺ، فقد اتخذ ذلك المذهب وثنًا معنويًا يعبده من دون الله؛ لأن المذهب مجموع آراء رجال المذهب، وليس بقبة ولا شجر ولا حجر، ولكن لما جعل معيارًا للحكم صار وثنًا معنويًا، يدرك بالعقل، وهكذا يقال فيمن أطاع حزبه في معصية الله تعالى، أو ترك الفرائض التي شرعها الله تعالى، فذلك الحزب وثن يعبده، والحاصل أن الحكم لا يكون إلا لله، ومن جعله لغير الله فقد أشرك.
ومن أمثال ذلك أن أهل المغرب الذين ينتسبون إلى المذهب المالكي يذبحون الذئاب ويأكلونها؛ لأنهم يزعمون أن أكل كل ذي ناب من السباع - كالكلب والذئب والثعلب والنمر والأسد - وكل ذي مخلب من الطير - كالغراب
(١) أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والطبراني في (الكبير) (١٧/ ٩٢) رقم (٢١٨، ٢١٩)، وابن جرير في «تفسيره» (١٠/ ٨١) وقد ذكرت طرقه وخرجته فيما مضى، والحمد لله وحده. (٢) سبق تخريجه. (٣) لم أظفر به في مطبوع «جامع العلوم والحكم»، ومررت به جميعًا، ونظرت في أكثر من طبعة وظفرت بمقولة ابن هبيرة في كثير من كتب الأصول. انظر - على سبيل المثال -: شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٧٦)، وانظر - لزامًا - حول هذه المقولة ما سيأتي (٣/ ١٦٧).