أجمعين عن آخرهم، ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك، ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم﴾ أي: عَظُم عليكم ﴿مَقَامِي﴾ أي: فيكم بين أظهركم ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ إِيَّاكُم ﴿بِآيَاتِ اللهِ﴾ أي: بحججه وبراهينه ﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: فإني لا أبالي ولا أكف عنكم، سواء عظم عليكم أم (١) لا، ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله من صنم ووثن، ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي: ولا تجعلوا أمركم عليكم ملتبسًا، بل افصلوا حالكم معي فإن كنتم تزعمون أنكم محقون ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: ولا تتأخروا (٢) ساعة واحدة، أي: مهما قدرتم فافعلوا فإني لا أباليكم ولا أخاف منكم؛ لأنكم لستم على شيء، كما قال هود لقومه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ الآية [هود: ٥٤ - ٥٦]، وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: كذبتم وأدبرتم عن الطاعة ﴿فَمَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام الله ﷿، والإسلام هو دين الأنبياء جميعًا من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهجهم (٣) كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] قال ابن عباس: «سبيلًا وسنة»، فهذا نوح يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى في إبراهيم الخليل: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣١، ١٣٢] وقال يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقال موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] وقالت السحرة: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] وقالت بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أو».(٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «تأخروني».(٣) كذا في مطبوع تفسير ابن كثير وفي الأصل: «مناهلهم».
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.