[المائدة: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] وقال خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] أي: من هذه الأمة، ولهذا قال في الحديث الثابت عنه:«نحن معاشر الأنبياء أولاد علات وديننا واحد»(١) أي: هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت شرائعنا، وذلك معنى قوله:«أولاد علات» وهم الأخوة من أمهات شتى، والرب واحد، وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ وهي السفينة ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ أي: في الأرض ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ أي: يا محمد كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا المكذبين» (٢).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: في هذه الآيات فوائد:
الأولى: إن الرسل قاسوا الشدائد في دعوة أممهم إلى توحيد الله والتمسك بالشريعة، فقد قابل هذه الدعوة أقوامهم بالتكذيب والاستهزاء وضروب الأذى، فصبر الرسل على ذلك، ولم يزحزحهم ما لقوا من أممهم قيد شعرة عن الدعوة إلى الله، ولم يخافوا وعيد قومهم؛ لأنهم وهبوا أنفسهم الله وأعظمهم صبرًا وجهادًا: سيد البشر محمد ﷺ ومن درس سيرته الطيبة الكريمة، رأى العجب العجاب من ذلك وقد امتثل أمر ربه سبحانه إذ قال له في سورة الأحقاف: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وكذلك فعل أصحابه والتابعون لهم بإحسان، وكذلك فعل أيضًا اتباع الرسل من قبل، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ﴾ وفي رواية نافع (٣).
(١) سبق تخريجه. (٢) انظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٣٨٣ - ٣٨٦). (٣) وقرأها هكذا أيضًا: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن واليزيدي وقتيبة والمفضل، وعزيت لابن عباس، ورجحها ابن جرير، واختارها أبو حاتم. انظر: «النشر» (٢/ ٢٤٢)، «حجة القراءات» (١٧٥)، «التذكرة في القراءات الثمان».