فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا … وقالوا جميعًا أنت قرن مماحك
وإن قلت قد قال الرسول فقولهم … أتت (١) مالكًا في ترك ذاك المسالك (٢)
وأجازوا النظر في اختلاف أهل مصر وغيرهم من أهل المغرب فيما خالفوا فيه مالكًا من غير أن يعرفوا وجه قول مالك ولا وجه قول مخالفه منهم، ولم يبيحوا النظر في كتب من خالف مالكًا إلى دليل يبينه ووجه يقيمه لقوله وقول مالك، جهلًا منهم (٣) وقلة نصح وخوفًا من أن يطلع الطالب على ما هم فيه من النقص والتقصير (٤) فيزهد فيهم، وهم مع ما وصفنا يعيبون من خالفهم ويغتابونه ويتجاوزون القصد في ذمه؛ ليوهموا السامع أنهم على حق وأنهم أولى باسم العلم وهم ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩].
وإن أشبه الأمور بما هم عليه ما قاله منصور الفقيه:
خالفوني وأنكروا ما أقول … قلت لا تعجلوا فإني سؤول
ما تقولون في الكتاب فقالوا … هو نور على الصواب دليل
وكذا سنة الرسول وقد … أفلح من قال ما يقول الرسول
واتفاق الجميع أصل وما تنـ … كر هذا وذا وذاك العقول
وكذا الحكم بالقياس فقلنا … من جميل الرجال يأتي الجميل
فتعالوا نرد من كل قول … ما نفى الأصل أو نفته الأصول
فأجابوا فناظروا فإذا العلم لديهم هو اليسير القليل. فعليك يا بني (٥) بحفظ الأصول والعناية بها، واعلم أن من عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن، ونظر في أقاويل الفقهاء فجعله عونًا له على اجتهاده، ومفتاحًا لطرائق النظر وتفسيرًا لحمل السنن (٦) المحتملة للمعاني، ولم يقلد أحدًا منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها واقتدى بهم (٧) في البحث والتفهم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوه (٨) عليه وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم ولم يبرئهم من الزلل كما لم يبرئوا أنفسهم
(١) في مطبوع «الجامع»: «ائت». (٢) في مطبوع «الجامع»: «المالك»! (٣) في مطبوع «الجامع»: «فيهم». (٤) في مطبوع «الجامع»: «والقصر». (٥) في مطبوع «الجامع»: «أخي». (٦) في مطبوع «الجامع»: «وتفسير الجمل». (٧) في مطبوع «الجامع»: «واقتدائهم». (٨) في مطبوع «الجامع»: «ونبهوا».