كتابنا هذا كيف وجه القول واجتهاد الرأي على الأصول عندما ينزل بالعلماء من النوازل في أحكامهم ملخصا في أبواب مهذبة من تدبرها وفهمها وعمل عليها نال حظه، ووفق لرشده إن شاء الله.
واعلم أنه لم تكن مناظرة بين اثنين أو جماعة من السلف إلا لتفهم وجه الصواب، فيصار إليه ويعرف أصل القول وعلته فيجري عليه أمثلته ونظائره، وعلى هذا الناس في كل بلد إلا عندنا كما شاء الله (١) ربنا، وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب، فإنهم لا يقيمون علة ولا يعرفون للقول وجها. وحسب أحدهم أن يقول: فيها رواية لفلان ورواية لفلان.
ومن خالف عندهم الرواية التي لا يقف على معناها وأصلها وصحة وجهها، فكأنه قد خالف نص الكتاب وثابت السنة، ويجيزون حمل الروايات المتضادة في الحلال والحرام وذلك خلاف أصل مالك، وكم لهم من خلاف أصول مذهبه (٢) مما لو ذكرناه لطال الكتاب بذكره. ولتقصيرهم عن علم أصول مذهبهم صار أحدهم إذا لقي مخالفا ممن يقول بقول أبي حنيفة أو الشافعي أو داود بن علي أو غيرهم من الفقهاء، وخالفه في أصل قوله بقي متحيرا ولم يكن عنده أكثر من حكاية قول صاحبه فقال: هكذا قال فلان وهكذا روينا، ولجأ إلى أن يذكر فضل مالك ومنزلته، فإن عارضه الآخر بذكر فضل (٣) إمامه أيضا صار في المثل كما قال الأول:
فكانوا كما قيل فيما مضى … أريها السها وتريني القمر
وفي مثل ذلك يقول منذر بن سعيد ﵀:
عذيري من قوم يقولون كلما … طلبت دليلا هكذا قال مالك
فإن (٥) عدت قالوا هكذا قال أشهب … وقد كان لا تخفى (٦) عليه المسالك
[وقد قاله ابن القاسم العالم الذي … على قصد منهاج الهدى هو سالك](٧)
فإن زدت قالوا قال سحنون مثله … ومن لم يقل ما قاله فهو آفك
(١) غير موجود في مطبوع «الجامع». (٢) في مطبوع «الجامع»: «مذهبهم». (٣) في مطبوع «الجامع»: «يذكر فضائل». (٤) في مطبوع «الجامع»: «لحوم». (٥) في مطبوع «الجامع»: «وإن». (٦) في مطبوع «الجامع»: «يخفى». (٧) غير موجود في مطبوع «الجامع».