منه فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح وهو المصيب لحظه والمعاين لرشده والمتبع لسنة نبيه ﷺ وهدي صحابته ﵃(١)، ومن أعفى نفسه من النظر وأضرب عما ذكرنا وعارض السنن برأيه، ورام أن يردها إلى مبلغ نظره، فهو ضال مضل» (٢).
ونقل الحافظ ابن رجب في كتابه «جامع العلوم والحكم» عن الإمام ابن هبيرة الحنبلي أنه قال: «من مكايد الشيطان أن يقيم أوثانًا في المعنى تعبد من دون الله، مثل أن يتبين لأحدهم الحق، فيقول: ليس عليه مذهبنا، تعظيمًا لمقلد عنده قد قدمه على الحق»(٣).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: انظر إلى كرم رسول الله ﷺ وإنزاله الناس منازلهم ورحمته لعزيز قوم ذل، فإن أخت عدي ابنة حاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الجود أسرت مع من أسر من قومها، فلما وصلت إلى النبي ﷺ لم يقتصر على إطلاق سراحها بل زادها العطاء، فكان ذلك سببًا لأن تدعو أخاها عديًا
(١) بعدها في مطبوع «الجامع: وعمن اتبع بإحسان آثارهم». (٢) انظر: «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٣٧ - ١١٣٩). (٣) نقله ابن النجار في «شرح الكوكب المنير» (٤/ ٥٧٦) عن ابن هبيرة - رحمهما الله تعالى -، ولم أظفر به في «جامع العلوم والحكم»! ثم وجدت الهلالي يقول في «العيون الزلالية» (١/ ق ٢٣٤): «قرأت منذ زمان طويل في شرح الحافظ ابن رجب الحنبلي لخمسين حديثًا من جوامع الكلم - وهي «الأربعون النووية» وما زاده عليها من الأحاديث - كلامًا حسنًا جدًا، نقله عن ابن هبيرة الحنبلي وهو قوله ﵀: … » وساقه، ثم قال: «وهذا قرأته في نسخة من خط اليد، ثم نظرتُ في المطبوع، فلم أجده، ولا أشك أن بعض شياطين المقلدين وقف على طبع الكتاب، فسطا على تلك العبارة، وحذفها ثم تكلم على مقولة ابن هبيرة، فقال: وقول ابن هبيرة (أوثانًا في المعنى) في غاية الحسن، فقد قسم ﵀ الأوثان إلى قسمين قسم حسي كالتماثيل والقباب والقبور والأشجار والأحجار والنار والشمس والقمر وقسم معنوي، كأن يتخيل المتمذهب أن هناك رجلًا اسمه مالك قد أحاط بكل شيء من الآيات والأحاديث علمًا، وهو معصوم من الخطأ والزلل والنسيان، فكل ما قاله في الدين حق لا شك فيه، وإذا خالفه غيره فالحق دائمًا معه، وأن الله نصبه واسطة بينه وبين المقلدين، فما أحله لهم فهو حلال، وما حرمه عليهم فهو الحرام، ولا يجوز لهم أن يتخطوا أقواله أبدًا إلا إذا خالفه أحد المنتمين إلى مذهبه فلا بأس، إلى غير ذلك من الوساوس الشيطانية».