حُكمُها في آية أخرى بعد، في هذه السورة الكريمة، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾ أي: من الأرض وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم، بقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].
وقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي: وأسروهم، إن شئتم قتلًا وإن شئتم أسرًا، وقوله: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع، وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولهذا اعتمد الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي: الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق الله ﷿ وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي: أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة.
وقد جاء في الصحيحين (١) عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، الحديث، وقال أبو إسحاق: عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال (٢): «أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له»(٣). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «أبى الله أن يقبل الصلاة
(١) سبق تخريجه. (٢) سقطت من الأصل، وأثبتها من مطبوع «تفسير ابن كثير». (٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٧٢) (رقم ٩٩١٤، ط. الرشد)، والطبراني في «الكبير» (١٠/ ١٢٧) رقم (١٠٠٩٥) من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: … فذكره، وإسناده ضعيف فيه إسماعيل بن عمرو البجلي. قال شيخنا الألباني في تخريج أحاديث مشكلة الفقر (ص ٣٥): «قلت: وهذا إسناد ضعيف من أجل البجلي هذا أورده الذهبي في الضعفاء» وقال: «ضعفه غير واحد». قلت: لكنه لم يتفرد به، فقد قال عبد الله بن أحمد في «كتاب السنة» (ص ٩٨): حدثني =