يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يقول: من وَحَّدَ الله وآمن باليوم الآخر، يقول من آمن بما أنزل الله ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ يعني الصلوات الخمس ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ يقول: لم يعبد إلا الله، ثم قال: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ يقول تعالى: إن أولئك هم المفلحون، كقوله لنبيه ﷺ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١)[الإسراء: ٧٩] وهي الشفاعة وكل عسى في القرآن فهي واجبة (٢)، وقال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀: وعسى من الله حق (٣).
[فصل]
فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية دليل على أن كل مسجد بني لله تعالى لا يجوز لمشرك أن يدخله ولا أن يتعبد فيه بعبادته الشركية التي يقول فيها: يا رسول الله أعطني، ويستغيث بالمخلوقين، وكذلك المبتدع الذي يعمرها بالمكاء والتصدية، وهو الخوار الذي يفعله أصحاب الطرائق كخوار البقر (٤)، أصوات قبيحة لا معنى لها في أي لغة، ويسمون ذلك زورًا وبهتانًا ذكر الله؛ ومعاذ الله أن يكون ذلك ذكر الله؛ لأن ذكر الله معلوم في كتب السنة، مطابق لفعل الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، وصدق من سمى ذلك مكاء وتصدية وتشبيها بأهل الجاهلية، فهل فعله رسول الله ﷺ أو الصحابة أو التابعون أو الأئمة المجتهدون؟ حشاهم من ذلك، وما أحسن قول شاعر مصلح:
ليس التصوف لبس الصوف ترفعه … ولا بكاؤك إذ غنى المغنونا
ولا صياح ولا رقص ولا طرب … ولا ارتعاش كأن قد صرت مجنونا
بل التصوف أن تصفو بلا كدر … وتتبع الحق والقرآن والدّينا
وأن تُرى خاشعًا لله مكتئبًا … على ذنوبك طول الدهر محزونا
(١) بعدها في مطبوع تفسير ابن كثير: يقول: إن ربك سيبعثك مقامًا محمودًا. (٢) أخرجه ابن جرير (١١/ ٣٧٦ - ٣٧٧)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٧٦٦) وعزاه في «الدر» (٣/ ٢١٦) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ، وهو في «صحيفة علي بن أبي طلحة» (رقم ٥٦٠). (٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٧/ ١٥٨، ١٦٠). (٤) يعجبني كلام للإمام القرطبي، ذكر في «تفسيره» (٧/ ٣٦٦) في أوائل سورة الأنفال عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، قال: «فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما يفعله جهال العوام، والمبتدعة الطعام من الزعيق والزئير، ومن النّهَاق الذي يشبه نهاق الحمير».