للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يقرؤون قوله تعالى في سورة النمل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]؟ وما أحسن قول من قال (١):

يا مَنْ يرى ما في الضَّمِير ويسمعُ … أنتَ المُعَدُّ لكل ما يتوقع

يا مَنْ يُرجى للشدائد كلها … يا من إليه المُشْتَكى والمَفْزَعُ

يا من خزائن رزقه في قولِ كُنْ … أُمْنُنْ فإنَّ الخير عندك أجمع

هكذا ينبغي للمؤمن الموحّد أن يقول وبالله يصول ويجول، ومن دواعي الأسف أن معنى الآية قد انعكس في هذا الزمان فصار الجهال والمشركون والمبتدعون يقولون بلسان حالهم وقالهم: إنما يعمر مساجد الله من أشرك بالله، وخالف سنة رسول الله وابتدع في دين الله، فالدعوة إلى توحيد الله واتباع سنة رسول الله ممنوعة في المساجد في المغرب والجزائر، إلا بإذن من حاكم البلد، وكم من شاب وكهل من الصالحين الدعاة إلى الله منع منها!!

وفي هذه الأيام كتب إلي أحد تلامذتي وهو عبد الواحد بادو، يقول: إنه فضل أن يكون معلمًا في قرية ليبعد عما في المدن من الفجور، فصار معلمًا في قرية بقرب مدينة الحاجب، وأخذ يلقي دروسًا في مسجد القرية يعلم الناس فيها توحيد الله، فمنعه أمير القرية الذي يسمونه القائد، فجاءه العزل عقابًا من الله له لمنعه مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعيه في خرابها يترك الناس في البدع والشرك، قال: فلما عزل عدت إلى الوعظ في المسجد فمنعني نائب الأمير الذي يسمى عندهم الخليفة، فكتب إليه اختر دكان واحد من الذين استجابوا لك واجعله مكانًا للدعوة، واقصد الأسواق مع بعض إخوانك ودور القهوة واتخذها مكانًا للدعوة، ولو أن أولئك الحكام يراقبون الداعي فإذا رأوه يدعو إلى فتنة أو ثورة منعوه، وإذا رأوه يدعو إلى توحيد الله واتباع سنة رسول الله أعانوه ونصروه أو على الأقل كفوه شرهم فلا يناله منهم خير ولا شر، لعذرناهم ولكنهم يتركون الدجاجلة يسرحون ويمرحون وينشرون الشرك والبدع، ولا يتعرضون لهم


(١) هما لأبي القاسم الشهيلي (ت ٥٨١ هـ)، أوردهما ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٢/ ٤٢٠، ط. دار أبي حيان) وأربعة أبيات أخرى، وقال: «وله قصيدة كان يدعو الله بها، ويرتجي الإجابة فيها». ونعتها صلاح الدين الصفدي في «الوافي بالوفيات» (١٨/ ١٠٢) بـ «الأبيات المشهورة».

<<  <  ج: ص:  >  >>