للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قاما في وجه الفرنسيين مع كثرة جيوشهم وجيوش مستعمراتهم قالا لهم: نحن لا نرضى بالاستعباد، فإما حياة عزّ وإما موت شريف، كما قال المتنبي (١):

عِشْ عزيزًا أو مُتْ وأنتَ شريف (٢) … بين طَعْنِ القَنا وخَفْقِ البنود (٣)

لا كما قد حييت غير حميد وإذا مُتَّ مُتَّ غير فقيد (٤)

فبارك الله في ثورتهما وكانت سببًا في استيقاظ أهل المغرب من سباتهم، وشرعوا في الجهاد والنضال حتى طهروا بلادهم من استعباد الأجانب بعدما حكم الفرنسيون بلادهم ثلاثًا وأربعين سنة، والفضل لله، ثم لثورة الملكين المذكورين، لا لاستعانة المشركين بأهل القبور، والعجب من ذلك الشاعر البارع الذي يقول إن إدريس الله ملجأ القطر المغربي في العسر واليسر، والمسلمون لا ملجأ لهم إلا الله، قال تعالى في سورة التوبة في وصف الثلاثة الذين خلفوا، أي: أخر قبول توبتهم: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] وقال النبي في الدعاء الذي يقال قبل النوم وهو في «الصحيح» (٥): «اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت».

فقد اتخذ ذلك الجهول إدريس شريكًا مع الله وحاشا لأهل المغرب أن يوافقوه على شركه وجهله، فإن منهم من يوحد الله تعالى ولا يشرك به شيئًا وإن كانوا اليوم قليلًا، فنرجو الله أن يكثرهم، وكيف يلجؤون إلى غير الله وهم


(١) في «ديوانه» (١/ ١٣٣، ١٣٤ - شرح الواحدي)، وهما ضمن قصيدة قالها في صباه وبينهما فيه بيت آخر.
(٢) في «الديوان»: «كريم».
(٣) جمع (بُند)، وهو العَلم الكبير، يقول: إما أن تعيش عزيزًا ممتنعًا من الأعداء، أو تموت في الحرب موت الكرام؛ لأن القتل في إكرام يدل على شجاعة الرجل، وكرم خلقه، وهو خير من العيش في الذل، قاله الواحدي.
(٤) يخاطب نفسه، فيقول: عش عزيزًا، أو مت في الحرب حميدًا، ولا تكن كما عشت إلى هذا الوقت غير محمود فيما بين الناس، وإذا مت على فراشك في هذا الوقت مت غير مفقود؛ لأن الناس يجدون مثلك، فيستغنون عنك، ولا يبالون بموتك، فلا يذكرونك بعد موتك، قاله الواحدي.
(٥) أخرجه البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠) من حديث البراء بن عازب.

<<  <  ج: ص:  >  >>