وقوله (١): «فأنا إليها أصعر»، معناه: أميل من الميل وهو الحب، أي: غلب علي حب الظلال والثمار وكرهت نفسي أن تتركهما وتخرج إلى القتال والعطش والحر والجوع. وقوله:«بأحسن الوجوه وأبسطها»؛ أبسطها: أوسعها كما قال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] والجهال من أهل هذا الزمان يعبرون بالأبسط عن الأسهل، وبالبسيط عن السهل أو القليل، ويزيدون على ذلك جهلا فيقولون: بسط الشيء بتشديد السين، بمعنى سهله، ويقولون: قواعد النحو المبسطة، وكل ذلك ضلال (٢)، فإن بسط بالتشديد معناه: كثرة التوسيع، كقتل وقتل بالتشديد.
أحد مدحتك فيه أم هجوتك؟ فاستحضره وسأله عن قوله، فاعترف، فقال: لا أعطيك أو تفعل، فقال (مجزوء الخفيف): يَارَكَ اللهُ لِلْحَسَنْ … وَلِبُورَانَ في الخُنْ يَا إِمَامَ الهُدَى ظَفَرْتَ … وَلَكِنْ بِبِنْتِ مَنْ؟ فلم يعلم أراد بقوله: «ببنت من» في الرّفعة أو في الضعة، فاستحسن الحسن منه ذلك، وناشده، أسمعت هذا المعنى أم ابتكرته؟ فقال: لا والله، إلا نقلته من شعر شاعر مطبوع كان بعث به، ففصل قباء عند خياط أعور اسمه زيد فقال له الخياط على طريق العبث به: سآتيك به لا يدرى أقباء هو أم دُرّاج. فقال الشاعر: لئن فعلت لأعملن فيك بيتًا لا يعلم أحد ممن سمعه أدعوت لك فيه أم دعوت عليك؟ ففعل الخياط، فقال الشاعر (مجزوء الرمل): جَاءَ مِنْ زَيْدٍ قَبَاءٌ … لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَوَاءُ فما علم أحد هل أراد أن الصحيحة تساوي السقيمة أو العكس، قال: فاستحسن الحسن صدقه، أضعاف استحسانه حذقه، وأضعف جائزته. قال أبو عبيدة: الشاعر هو محمد بن حازم الباهلي، كما تراه مع قصتنا في «خزانة الأدب» (٧٩) لابن حجة، ونهاية الأرب (٧/ ١٧٤)، «معاهد التنصيص» (٢/ ١٢٩)، «أنوار الربيع» (١٣١). (١) في الأصل: «ويقول»! (٢) استخدام (البساطة) و (التبسيط) بمعنى (التسهيل) من الأخطاء الشنيعة، وقولهم: مسألة بسيطة، هذا شيء بسيط تكلم ببساطة، وهذا لا يعتقده إلا البسطاء، خطأ، قال صاحب «اللسان»: «ورجل بسيط منبسط بلسانه، وقد بسطه بساطة. الليث: البسيط: المنبسط اللسان، والمرأة بسيط، ورجل بسيط اليدين منبسط بالمعروف وبسيط الوجه: متهلل، وجمعها: بسط». قلت: فقد رأيت أن (البساطة) لا تدل على ما يريد المؤلفان بها، وذلك بعيد عن استعمال العرب، بل هو ضده؛ لأنَّ البسيط في اللغة هو الواسع، ومن أجل ذلك =