وأصحابهما، وقال الحسن البصري: إن أردت أن تكون مع الصادقين، فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة» (١).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: قوله: «أقفلهم من غزوتهم أي: ردهم سالمين، يقال: قفلت من سفري، أي رجعت، وقوله: «الظهر»، المراد به ما يركب، وكانت مراكبهم الإبل التي يركبونها، وهذا من تسمية الشيء بجزئه، ويسمى مجازًا مرسلًا، وقوله: ما أحب أن لي بها مشهد بدر معناه: لو خيرت بين أن أشهد العقبة وأحرم من بدر أو أن أشهد بدرًا وأحرم العقبة، لفضلت بيعة العقبة على غزوة بدر، وقوله: ورى بغيرها»، معناه كان النبي ﷺ إذا أراد أن يغزو ناحية، كمكة مثلًا، يسأل أصحابه عن طريق نجد، حتى يظن الناس أنه يريد التوجه إلى المشرق، وهو يريد التوجه إلى المغرب خوفًا من أن يطلع المنافقون وضعاف الإيمان على الجهة التي يريد غزو أهلها فيبعثوا إليهم من يخبرهم، فهذا معنى التورية. وهي في علم البلاغة: ذكر لفظ يحتمل معنيين فيذكره الشاعر أو الناثر ويريد أحد المعنيين مثال ذلك قول الشاعر:
خاط لي عَمْرو قَبَاءً … لَيتَ عَيْنيه سواءا
وكان عمرو المذكور في هذا الشعر أعور فقوله:«ليت عينيه سواء» يحتمل أنه أن يكون مبصرًا بالعينين كلتيهما، ويحتمل أن يتمنى له أن تكون العينان عمياوين كلتيهما (٢).
= والبيهقي في «الشعب» (٤٧٨٩، ٤٧٩٠)، وإسناده صحيح. (١) انظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٣٠٦ - ٣١٤). (٢) ذكره ابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤ هـ) في كتابه «تحرير التحبير» (٥٩٦ - ٥٩٧) ضمن (الإبهام) وعرفه بقوله: «أن يقول المتكلم كلامًا يحتمل معنيين متضادين، لا يتميز أحدهما على الآخر، ولا يأتي في كلامه بما يحصل به التمييز فيما بعد ذلك، بل يقصد إبهام الأمر فيهما قصدًا». بينما ذكر (٢٦٨) (التورية) وعرفه بقوله: «أن تكون الكلمة تحتمل معنيين، فيستعمل المتكلم أحد احتماليها ويهمل الآخر، ومراده ما أهمله لا ما استعمله». وذكر البيت هكذا: جاء من زيدٍ قَباءٌ … ليت عينيه سواء وأورد قصة طريفة. هي: ومثاله ما حُكِي أَنَّ بَعض الشعراء هنا الحسن بن سهل بصهر المأمون مع من هناه، فأثاب الناس كلهم وحَرَمه، فكتب إليه: إن أنت تماديت على حرماني عملت فيك بيتًا لا يعلم =