اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] والمشركون أنواع وأقسام كثيرون، قد ذكرهم الله في كتابه، وبين أحوالهم وأقوالهم ورد عليهم فيما هم فيه أتم رد.
وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ أي: في موقف الحساب يوم القيامة، تختبر كل نفس وتعلم ما سلف (١) من عملها من خير وشر كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وقال تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤] وقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ أي: ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل ففصلها وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾ أي: ذهب عن المشركين ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢) ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه) (٣).
[فصل]
قال محمد تقي الدين في هذه الآيات أوضح الأدلة على أن من عبد غير الله تعالى من الأنبياء والصالحين وغيرهم لا يشعر المعبودون بعبادة العابدين ولا يعلمونها، إذ لا يعلم الغيب إلا الله، وحين يعرف هؤلاء المعبودون يوم القيامة أن أولئك المشركين كانوا يعبدونهم حين يجمعهم الله تعالى ويحشرهم جميعًا - العابدين والمعبودين - يتبرأ المعبودون من عبادة العابدين ويقولون لهم تصريحًا: ﴿مَا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٨، ٢٩].
وبيان ذلك أن المعبود إما أن يكون من العقلاء، فهو مشغول بما هو فيه من نعيم الجنة وكرامة الله تعالى إن كان من الصالحين، أو بعذاب الله تعالى إن كان
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أسلفت». (٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أي». (٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٧/ ٣٥٨ - ٣٦٠) بتصرف.