ويشبه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ الآية [المائدة: ١٠٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ﴾ أي: برقيب ولا حفيظ، أي: افعلوا ذلك الله لك لا تفعلوه ليراكم الناس بل الله ﷿، ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية، يقولون له: على سبيل التهكم - قبحهم الله -: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ قال الأعمش: أي: قرآنك ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أي: الأوثان والأصنام ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ فنترك التطفيف عن قولك وهي أموالنا نفعل فيها ما نريد، قال الحسن في قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾، إي: والله إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم، وقال الثوري في قوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ يعنون: الزكاة (١)، ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قال ابن عباس وغيره من السلف يقولون (٢) ذلك - أعداء الله - على سبيل الاستهزاء) (٣).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: أول ما أمر نبي الله شعيب قومه به أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، ثم نهاهم عن نقص الكيل والوزن؛ لأن من وحد الله حقًا في عبادته لا ينقص كيلًا ولا وزنًا لمسلم، ولا لذمي، ولا لمعاهد، ولا لمصالح، فإن فعل ذلك دل على ضعف إيمانه بالله، وقوله: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ دليل على أن من نقص الكيل والوزن، فقد تعرض لعذاب الله الذي يحيط به ولا يدع له مخرجًا في الدنيا والآخرة، ثم أمرهم أن يوفوا الكيل والوزن إذا أعطوا غيرهم شيئًا مما يكال أو يوزن، وإيفاء الكيل والوزن، يلزم منه عدم نقصهما والعكس بالعكس، سواء أكان الشخص معطيًا أو آخذًا وفي «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال: «من غشنا فليس منا»(٤)، وهذا دليل على أن العمل
(١) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وقولهم». (٢) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «يقول». (٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٧/ ٤٦٠ - ٤٦١) بتصرف. (٤) سبق تخريجه.