للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يا قوم إن كنت لقومه؛ لأنه يعفو عن مسيئهم وهو رشيد لا يأمر إلا بالخير فأنكروا عليه هذه الإمامة لجهلهم وسفاهتهم. ثم قال: (ك): يقول لهم: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يا قوم إن كنت ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على بصيرة فيما ادعو إليه ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قيل: أراد النبوة، وقيل: أراد الرزق الحلال، ويحتمل الأمرين، وقال الثوري: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أي: لا أنهاكم عن شيء (١) أخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم كما قال قتادة في قوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يقول: لم أكن أنهاكم (٢) عن أمر وأرتكبه، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: فيما أمركم وأنهاكم إنما أريد (٣) إصلاحكم جهدي وطاقتي، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ أي: في إصابة الحق فيما أريده ﴿إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي: أرجع، قاله مجاهد (٤).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: أول شرط في الداعي إلى الله أن يكون على بصيرة، أي: على علم بما يدعو إليه بأدلته من الكتاب والسنة، ولا يجوز أن يكون مقلدًا لغيره؛ لأن المقلد قد أجمع أهل العلم على أنه جاهل، أعمى لا بصيرة له، فإذا استفتى عالمًا واجتهد في الاستفتاء كما يجب عليه باختيار المفتي الأعلم الأورع، الأتبع للسنة، وأفتاه بشيء جاز له العمل به في خاصة نفسه، ولا يجوز له أن يفتي بذلك لجهله بدليله. قال أبو حنيفة : «لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه». وهكذا قال الأئمة كلهم (٥)، متبعين في ذلك لنصوص الكتاب والسنة. وقال الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في كتابه: «جامع بين العلم وفضله»، من قصيدة له مفيدة:

لا فرق بين مقلّد وبهيمةٍ … تنقادُ بين جَنَادل ودعائر (٦)


(١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير» وفي الأصل: «الشيء».
(٢) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «لأنهاكم».
(٣) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «مرادي».
(٤) انظر: «تفسير ابن كبير» (٧/ ٤٦٢).
(٥) ذكره الإمام ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٣/ ٤٨٨ - بتحقيقي) وأخرجه البيهقي في
«المدخل» رقم (٢٦٢) عن أبي يوسف.
(٦) سبق ذكره.

<<  <  ج: ص:  >  >>