وكأن يقول لهم: أنتم عبيدي، فكان يلقي إليهم من حديث الحلول والاتحاد أشياء، ولو خلا ببعض الحمقى (١) من أتباعه فربما ادعى الإلهية، فإذا كان ذلك مشاهدا في هذه الأمة فكيف يبعد ثبوته في الأمم السالفة؟ وحاصل الكلام أن تلك الربوبية تحتمل أن يكون المراد منها أنهم قبلوا أنواع الكفر، فكفروا بالله، فصار ذلك جاريا مجرى أنهم اتخذوا أربابا من دون الله، ويحتمل أنهم أثبتوا في حقهم الحلول والاتحاد، وكل هذه الوجوه الأربعة مشاهد وواقع في هذه الأمة». اهـ.
ثم قال القنوجي: «وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وإيثار (٢) ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص وقامت به حجج الله وبراهينه ونطقت به كتبه وأنبياؤه هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم (٣) بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة، وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء.
فيا عباد الله! ويا أتباع محمد بن عبد الله! ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما، وطلبه منهم بما دلا عليه وأفاداه، فعملتم بما جاؤوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسنة تنادي بأبلغ نداء، وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموها آذانا صما، وقلوبا غلفا، وأفهاما مريضة، وعقولا مهيضة، وأذهانا كليلة، وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت … وإن ترشد غزية أرشد (٤)
فدعوا - أرشدكم الله - رأيا من كتب كتبها لكم الأموات من أسلافكم، واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم (٥) ومتعبدهم ومتعبدكم ومعبودهم ومعبودكم،
(١) في مطبوع «فتح البيان»: «الحمقاء» والمثبت من تفسير الرازي والأصل. (٢) في مطبوع «فتح البيان»: «وتأثير». (٣) في مطبوع «فتح البيان»: «يعبدونهم». (٤) انظر: «خزانة الأدب» (١١/ ٢٧٨)، و «الحماسة» (٢/ ٨١٥ - «شرح المرزوقي»). (٥) في مطبوع فتح «البيان»: «خالفهم - بالفاء - وخالقكم».