يجيب، فهو كما قال ابن المعتز:«لا فرق بين بهيمة تنقاد وإنسان يقلد»، وتقدمت أبيات الحافظ ابن عبد البر التي يقول فيها:
لا فرق بين مقلَّد وبهيمةٍ … تنقادُ بين جنادل و دعائر (١)
ولكن هنالك طريق آخر لإيصال الحق إلى القلوب السليمة، وهو طريق الدعوة إلى اتباع الكتاب وطرح التقليد والمذهب. وقد سلكنا هذا الطريق منذ خمس وخمسين سنة فوجدناه مفيدًا له ثمرة طيبة وفيه القضاء على المقلدين من أدعياء الفقه؛ لأنهم إذا رأوا العامة أعرضوا عنهم حين تبين لهم نور الكتاب والسنة، ونبذوهم نبذ الحذاء الممزق، يُسْقَط في أيديهم ويبقون وحدهم منعزلين كالبعير الأجرب، فيرجع كيدهم في نحورهم ولا يضرون إلا أنفسهم.
قوله:«ولا يعلم المسكين … إلى آخره» مثل ذلك: مقلد يزعم أنه مالكي، يعادي سنة وضع اليمنى على اليسرى عند القيام في الصلاة، تناظر مع حنفي أو شافعي أو حنبلي أو مالكي مهتدي، فيقول المدعي أنه مالكي: وضع اليمنى على اليسرى مكروه والسنة السدل، فيقول له خصمه: وما دليلك؟ فيقول: دليلي ما جاء في «المدونة»، وهو أن سحنونًا روى عن ابن القاسم أن مالكًا كره وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة الفريضة لما فيه من الاعتماد المزعوم، فيقول له خصمه: وقد روى إمامي أنا عن شيوخه خلاف ذلك، وشيوخ إمامي أقدم من إمامك، وأقرب إلى زمان النبوة، فيسقط كلامه بكلام خصمه، ويفضل لخصمه الدليل القاطع الذي رواه جميع الأئمة ومنهم إمامه على حسب دعواه، فإن البخاري ومسلمًا رويا حديث «وضع اليمنى على اليسرى» عن مالك، ولم يثبت أن مالكًا سدل يديه، بل قال ابن عبد البر - وهو أعلم الناس بعلم مالك -: (٢).
«ما زال مالك يقبض حتى قبضه الله»، وجميع أصحاب مالك من العراقيين والحجازيين والمصريين إلا ابن القاسم على قول الحافظ ابن عبد البر. وعلى
= الأسود العنسي الكذاب: «كان له حمار قد راضه وعلمه، فكان يقول له: اسجد؛ فيسجد، ويقول له: اجث فيجثو، وغير ذلك من أمور كان يدعيها، ومخاريق كان يأتي بها، يجتذب بها قلوب متبعيه» وانظر: كتابي «المروءة وخوارمها» (ص ٢٦٢ - ٢٦٣). (١) سبق ذكره (٢/ ٤٧) وانظر (٤/ ٦٢). (٢) سبق ذكر هذه المسألة، وبعض الأحاديث التي فيها، وسردت أسماء المصنفات المفردة حولها. انظر التعليق على (ص ١٦ - ١٨).