للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هذا الناس في كل بلد، إلا عندنا كما شاء الله ربنا، وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب فإنهم لا يقيمون علة ولا يعرفون للقول وجهًا، وحسب أحدهم أن يقول: فيها رواية لفلان ورواية لفلان» (١)، إلى آخر ما تقدم نقله، يدلك على أن هذا المرض وهو الجمود على الفروع التي هي من آراء الرجال بدون دليل ظلمات بعضها فوق بعض، هذا المرض قديم في الأندلس والمغرب، فإن الإمام ابن عبد البر من علماء القرن الخامس فإنه (توفي سنة ٤٦٣) وقد مضى على وفاته أزيد من تسع مائة سنة زاد فيها الجهل والبعد عن الكتاب والسنة وذهب أمثاله من العلماء الذين كانوا ينورون الظلمات ويقمعون أهل التقليد والرأي، ولكن حتى في زماننا هذا - والله الحمد - يوجد بصيص من نور الكتاب والسنة أوقده شيخنا محمد بن العربي العلوي (٢) رحمة الله عليه، واقتبسه من كتب الشيخين الربانيين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، زادنا الله من هذا النور، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله (٣).

وقول الحافظ ابن عبد البر في إنشاده البيتين:

شكونا إليهم خراب العرا … ق فعابوا علينا شحوم البقر (٤)

أنشده الحافظ ابن القيم في هذا المعنى، وسأشرحه حسب ما يظهر لي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فهو مني:

خراب العراق: معناه القحط والجدب وقلة الطعام. وشحوم البقر: معناه التوسع في المآكل والمشارب.

ومعنى ذلك أنهم فهموا ضد ما أردنا كما في المثل العربي القديم (أريها


(١) نحوه في «التمهيد» (٥/ ٥٩).
(٢) هو الذي تاب الهلالي على يديه بعد مناظرة طويلة معه، سقناها في تقديم هذا الكتاب، ومصادر ترجمته هناك.
(٣) انتشرت في هذه الآونة - والله الحمد والمنة - الدعوة إلى الكتاب وصحيح السنة، بفهم سلف الأمة، وأينعت جهود المصلحين في المشرق والمغرب، ومن سنة الله الكونية والشرعية عدم تضييع عمل المصلحين المحسنين، نعم، قد لا يرون الثمرة، ولكن ينعم بها من يجيء بعدهم، كما هو حاصل في دعوة ابن تيمية، ودعوة ابن عبد الوهاب، ودعوة ابن باز، ودعوة الألباني جميعًا. وألحقنا بهم في الصالحين.
(٤) سبق ذكره.

<<  <  ج: ص:  >  >>