السُّها - كوكب صغير يكاد لا يرى بالبصر، والقمر واضح) (١) يراه كل ذي بصر، فيضرب هذا المثل لمن يتكلم في أمر دقيق لا يفهمه إلا الأذكياء، يقابل بأمر واضح يفهمه جميع الناس ولا يحتاج إلى بحث، كالذي يعلِّم إنسانًا دقائق علم الجبر فيقول له:«الواحد نصف الاثنين».
وحضرني الآن مثل يضرب في بلدنا سجلماسة، وهو قولهم: كانت امرأة فقيرة تحمل ابنها الصغير وهو يبكي، وكانت تتكلم مع امرأة غنية ومعها ابنها أيضًا، فقال ابن الغنية لأمه: لماذا يبكي هذا؟ فقالت: من الجوع يا بني، فقال لها: فهلا صعد إلى غرفة بيته وأكل بوسكري - وبوسكري بلغة المغاربة، هو: التمر المعروف بالسكري في بلاد نجد وهو أفضل أنواع التمر … فظن الغلام أن كل غرفة يوجد فيها السكري كما يوجد في غرفة أبيه وأمه، وفي هذا النوع من التمر قال الأديب الكبير والعالم المحقق فخر سجلماسة بل فخر المغرب أحمد بن عبد العزيز الهلالي (٢):
جدير بأن يُدعى الشَّهِيُّ أبو سُكَّري … أبا سُكر بين الثمار بلا نُكري
يكاد يحاكي في لذَاذة طعمه … مُذاكرتي في العلم مع أبوي بكري
وكان لهذا العالم تلميذان كل منهما يدعى أبا بكر، وإليهما أشار بقوله (مذاكرتي في العلم مع أبوي بكري).
قال محمد تقي الدين: منذر بن سعيد إمام حافظ حجة، انظر ترجمته في «نفح الطيب»(٣)، وله أخبار ظريفة طريفة، وهذه الأبيات تدل على علمه وأنه كان يحارب التقليد والعصبية الجاهلية للمذهب، وقد صرح بأن معاصريه من المقلدين
(١) تتمته في كتب الأمثال: «وتريني القمر». انظر: «المستقصى» للزمخشري (١/ ١٤٧)، و «مجمع الأمثال» لأبي الفضل الميداني (٢/ ٣١). قال الزمخشري: «وأصله أن رجلًا كان يكلم امرأة بالخفيّ الغامض من الكلام، وهي تكلمه بالواضح المبين، فضرب السهى والقمر مثلًا لكلامه وكلامها، ويضرب لمن اقترح على صاحبه شيئًا، فأجابه بخلاف مراده». وقال الميداني: «يُضرب لمن يغالط فيما لا يخفى». (٢) ستأتي ترجمته في التعليق على (٦/ ٢٨٠ - ٢٨١). (٣) انظر ترجمته في: «نفح الطيب» (١/ ٢٩٠ - ٢٩٣). وله ترجمة فيه «جذوة المقتبس» (٢/ ٥٥٥) رقم (٨١١)، و «تاريخ علماء الأندلس» لأبي الوليد الأزدي (٢/ ١٤٤) رقم (١٤٥٤).