الدواب، جعلوا قول مالك وابن القاسم وأشهب وحتى سحنون الذي هو أحد تلاميذ مالك كل ذلك جعلوه حجة يخالفون من أجله كتاب الله وسنة رسوله، ويحاربون من اقتدى بهما، ويقولون له: أنت قرن مماحك، أي: خصم مغالط، وإذا احتج عليهم بالحديث الصحيح المحكم، قالوا له: هذا الحديث لا يخفى على مالك وما تركه إلا لعلة أوجبت تركه، كأن مالكًا أحاط علمًا بجميع أحاديث الرسول ﷺ، لا يغفل عن شيء منها ولا يسهو، ولا يخطئ في فهم شيء، كذبوا والله مالك بريء من هذا القول على أن الأحاديث المسندة في «الموطأ» لا تزيد على خمسمئة (١)، والأحاديث الصحيحة والحسنة.
(١) «الموطأ» روايات وأكثرها زيادة رواية أبي مصعب قاله العلائي، وهو مطبوع، وآخر رقم فيه (٣٠٦٩) وهو رقم عام، يدخل فيه كلام الإمام أيضًا! قال ابن حزم: «في موطأ أبي مصعب هذا زيادة على سائر الموطات نحومئة حديث وذكر صديقنا الدكتور بشار عواد في تحقيقه له (١/ ٤١) أن الزيادات التي وقف عليها فيها خمسة عشر حديثًا، هذا بالنسبة لرواية يحيى بن يحيى المصمودي وآخرين مرسلين وواحدًا متصلًا فيها، بلاغًا في رواية يحيى، وستة أحاديث مرسلة لا ذكر لها في رواية يحيى أيضًا فهذه أربعة وعشرون حديثًا متصلة لم ترد - أصلًا أو متصلة - في رواية يحيى وكلام ابن حزم في الزيادات على جميع الروايات، وهو متجه. قال ابن حزم في مراتب الديانة - كما في «تدريب الراوي» (ص ٥٤ - ٥٥) -: وأحصيت ما في «موطأ مالك»، فوجدتُ فيه من المسند خمس مئة ونيفًا، وثلاث مئة مرسلًا ونيفًا وانظره بتمامه في نوادر ابن حزم» (١/ ٢٤). ونقل الخليلي في «الإرشاد» (١٩٤) عن البويطي أنه سمع الشافعي يقول: «أصول الأحكام نيف وخمس مئة حديث، كلها عند مالك: إلا ثلاثين حديثًا». وذكر ابن عبد البر في نهاية «التجريد» الأحاديث التي لم تذكر في رواية يحيى الليثي، وهي ثابتة في روايات أخرى من روايات الموطأ، وحصيلة هذه الزيادة (أربع وستون حديثًا). وهنالك، أقاويل ذكرها القاضي عياض في ترتيب المدارك (١/ ١٩٣) والزرقاني في «شرحه على الموطأ» (١/ ١٢)، عن الكيا الهراسي أن «الموطأ» كان تسعة آلاف حديث، وفي رواية عتيق الزبيري: عشرة آلاف حديث، ثم لم يزل ينتقي مالك حتى رجع إلى سبع مئة، والدراسة والتمحيص تردّ هذه الأقوال، كما بسطه الأستاذ الشيخ محمد مصطفى الأعظمي في تقديمه لتحقيق «الموطأ» (١/ ٩٦ - ١١٢). ومما يعين على ضبط العدد: ما قام به أبو العباس الداني (ت ٥٣٢ هـ) في كتابه «الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ»، فإنه رتب الأحاديث على مسانيد الصحابة، وذكر عدد كل حديث، وهو مطبوع عن مكتبة المعارف، في خمسة مجلدات.