تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٤٩ - ٥١] فأهلك الله أولئك الرهط وعجل لهم الهلاك قبل قومهم. وبعد ثلاثة أيام جاءت الصيحة فأهلكتهم جميعًا في ساعة واحدة: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أي: صرعى».
ثم قال (ك): «هذا تقريع من صالح ﵇ لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم عن قبول الحق، وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعًا وتوبيخًا وهم يسمعون ذلك كما ثبت في «الصحيحين»(١):
إن رسول الله ﷺ لما ظهر على أهل بدر أقام هناك ثلاثًا ثم أمر براحلته فشدت بعد ثلاث (٢) من آخر الليل، فركبها ثم سار حتى وقف على القليب - قليب بدر - فجعل يقول: يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا فلان ابن فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، فقال له عمر: يا رسول الله! ما تكلم من أقوام قد جيفوا؟ فقال:«والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع مما أقول منهم ولكن لا يجيبون»(٣).
قال محمد تقي الدين: العرب العاربة هم سكان الجزيرة العربية الذين ليسوا من ذرية إسماعيل ﵇؛ لأن إبراهيم أبا إسماعيل وإسحاق ليس عربيًا فابنه إسماعيل استعرب فهو وذريته مستعربون، وهذا يدل على أن كل من تعلم العربية وصارت لغته من القبائل يسمون عربًا وإن كانوا في الأصل عجمًا.
والمقصود بسرد هذه القصة: بيان أن كل رسول أرسله الله إلى قومه يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾؛ لأن التوحيد هو الأصل الذي تبنى عليه أمور الدين كلها، فإذا حقق وثبت ثبت ما بعده، وإذا لم يحقق ولم يثبت تهدم كل شيء من أمور الدين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] وهذا هو
(١) أخرجه البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥)، وأحمد (٤/ ٢٩) وغيرهم من حديث أبي طلحة، وأخرجه مسلم (٢٨٧٤) من حديث أنس. (٢) هكذا في الأصل ومعناه غير ظاهر (منه). (٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٦/ ٣٣٦ - ٣٤٤) بتصرف.