البدعة فإن صاحبها لاعتقاده أنها قربة لا يتوب منها، وكذلك النفر الذين جاؤوا إلى أزواج رسول الله ﷺ فسألوهن عن عبادته، فأخبرنهم بها فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: لسنا مثل رسول الله ﷺ، فإن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما أنا فأصوم أبدًا ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم الليل أبدًا ولا أنام، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء، فلما سمع بذلك النبي ﷺ قال لهم:«أنتم الذين قلتم ما قلتم؟ قالوا: نعم، فقال رسول الله ﷺ: «أما أنا فأصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(١).
وكذلك المغاربة الذين يقرؤون القرآن جماعة بلسان واحد بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة المغرب يقرؤون القرآن جماعة بصوت واحد نصف جزء من القرآن ويسمونه حزبًا، يفتح القراءة لهم الإمام ثم بعد ذلك يختمون ذلك بأدعية ينطقون بها بلسان واحد (٢)، كما يفعل اليهود والنصارى في كنائسهم، ومنهم أخذ المغاربة هذه العادة السيئة لم يسبق إليها سابق، ولا لحقهم فيها لاحق، ومن العجب أنهم كلهم يتركون سنة المغرب البعدية والقبلية، أما البعدية فيفعلون بدلها تلك البدعة (٣) وأما القبلية فيزعمون أنها مكروهة.
وحقيقة المكروه هو ما نهى الله أو نهى رسوله ﷺ عنه نهيًا مخففًا، بحيث إذا ترك يكون في تركه أجر وإذا فعل لا يكون في فعله عقاب، فنقول لهم: يا الله العجب! متى نهى الله أو رسوله ﷺ عن صلاة ركعتين قبل المغرب (٤) أي بعد أذان المغرب وقبل صلاتها؟ هل تستطيعون أن تجدوا في ذلك آية أو حديثًا ولو ضعيفًا؟ لن تجدوا ذلك أبدًا، بل الموجود الصحيح ما رواه البخاري في صحيحه» (٥) عن حديث أنس.
(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١) من حديث أنس. (٢) وهكذا يفعل أتباع الشيخ حسن البنا لما يقرأون كتابه «المأثورات»، ولا سيما في المسجد في رمضان قبيل الإفطار. (٣) يريد صلاة ست ركعات التي يسميها العوام (صلاة الأوابين)! وصلاة الأوابين على التحقيق هي صلاة الضحى، وانظر للتفصيل كتابي: «القول المبين في أخطاء المصلين» (ص ٤٥٤ - ٥٥٥، ط. الأولى). (٤) نشر المصنف في مجلته «لسان الدين» السنة الرابعة، الجزء الثالث، جمادى الأولى عام ١٣٦٩ هـ - مارس سنة ١٩٥٠ (ص ٩ - ١٠) مقالة لتلميذه العلامة محمد بو خبزة - وهو شيخنا بالإجازة - بعنوان «صلوا قبل المغرب ركعتين». (٥) برقم (١١٨٣).