ويحسن أن أحكي هنا حكاية لتوضيح المقام: كان العالم السلفي المشهور عبد الله السنوسي نزيل مدينة طنجة له خادم يرافقه، فسافر من طنجة إلى العرائش، وهي مدينة في المغرب على شاطئ البحر المحيط، فلما أراد دخول هذه المدينة، قال خادمه: أسأل الضيافة من الله ومن سيدتنا منانة - ومنانة هذه: امرأة ميتة بنيت على قبرها قبة يعبدها الجهال - فسكت الشيخ ولم ينكر عليه قوله، وكانت عادة الشيخ أن ينزل عند بعض المحبين، فيجتمع عليه الناس للاستفادة من علمه، وينطلق خادمه إلى مشرب من مشارب القهوة والشاي، وهو ما يسمى «بالقهوة» فيمكث هناك إلى أن يمضي أول الليل، ثم يرجع إلى البيت الذي نزل فيه الشيخ فيجد عشاءه محفوظا له فيأكله وينام، ولما رجع تلك الليلة جلس ينتظر أن يقدم له عشاؤه كالعادة فلم يقدم له شيء، وكان الشيخ قد أخبر أهل ذلك البيت أن خادمه استضاف شخصا آخر، وأمرهم أن لا يتركوا له طعاما، فلما طال انتظاره، قال له الشيخ: كيف كان عشاؤك عند منانة؟ فقال له: يا سيدي ما تعشيت، فقال الشيخ: سبحان الله! كيف تركتك منانة بلا عشاء وأنت ضيفها؟! فاذهب إلى فراشك فليس لك هنا عشاء، وكان ذلك عقابا له وعبرة لغيره، وعادة عامة المغاربة أن يطلبوا الضيافة كما تقدم من رجال البلد، ويقصدون بذلك الأموات الذين بنيت على قبورهم قباب.
ولما بدأت الدعوة إلى الله في المغرب سنة ١٣٨٠ هـ علمت من استجاب لدعوتي طلب الضيافة من الله بالدعاء الذي كان يدعو به النبي ﷺ إذا أقبل على بلد، وهو:«اللهم رب السموات وما أظللن ورب الأرضين وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن، ورب البحار وما جرين، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها، اللهم حببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا»(١).
(١) أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٥٤٣، ٥٤٤)، وابن خزيمة (٢٥٦٥)، وابن حبان (٢٧٠٩)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٥٢٥)، والطبراني (٧٢٩٩)، والحاكم (١/ ٤٤٦ و ٢/ ١٠٠)، والبيهقي (٥/ ٢٥٢) من حديث صهيب، وإسناده حسن. وقال شيخنا الألباني في «الكلم الطيب» (ص ١٤٨) بعدما ذكر أن ابن حبان والحاكم أخرجاه وصححاه، قال: «ووافقهما الذهبي، وفيه نظر لأن مداره عندهم جميعا على أبي مروان والد عطاء، أورده الذهبي في «الميزان» وقال: قال النسائي: ليس بالمعروف ومن ادعى أن له صحبة فليس له حجة إلا أخبار كلها من رواية الواقدي وهو متروك …