أهل الأرض ممن آمن بالنبي ﷺ؛ لأنه أبى أن يؤمن برسالة محمد ﷺ، ولم يكن شاكًا في صدقه فإنه قال في شعر له (١):
واللهِ لَنْ يَصِلُوا إليكَ بِزَعْمِهم … حتى أُوَسَّدَ في التَّرَابِ دَفِينَا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة … فلقد صدقت وكنت ثم أمينا
لولا الملامة أو حِذَارُ مسبَّةٍ … لوجدتني سمحًا بذاك مبينا
وقد جاءت قصة وفاة أبي طالب في «صحيح البخاري»(٢) وحرص النبي ﷺ على إيمانه وحزنه لما مات كافرًا، وروى البخاري عن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال:«إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها»(٣)، انتهى، فولاية النبي ﷺ لأقاربه إنما جاءت من حيث إنهم من صالحي المؤمنين، لا للقرابة المجردة، فإنها وحدها لا تجعلهم أولياء النبي ﷺ، وإن وصل رحمهم بالإحسان إليهم؛ لأن صلة الرحم واجبة مع الأقارب، وإن لم يكونوا مسلمين، وأما ما روي من الحديث في إحياء الأبوين وإيمانهما بالنبي ﷺ، فهو باطل، إذ لا يصح في ذلك شيء (٤)، ولو فرضنا أنه ثبت في ذلك حديث وتجاوز درجة الوضع والنكارة إلى الضعف، ما ثبت به حكم ولا استطاع أن يقاوم حديث مسلم ولا أن يعارضه، وحديث النبي ﷺ لا ينقض بعضه بعضًا، بل ينصر بعضه بعضًا، وقد نظم بعضهم في هذا المعنى شعرًا فقال:
حبا الله النبي مزيد فضلٍ … على فَضل وكان به رؤوفا
فأحيا أمه وكذا أباه … لإيمان به فضلًا منيفا
فَسَلِّمْ فالقدير بذا جديرٌ … وإن كان الحديث به ضعيفا
(١) انظر هذه الأبيات مع غيرها في «سيرة ابن إسحاق» (ص ١٣٠ - ١٣١)، «سيرة ابن هشام» (١/ ٢٦٩)، «دلائل النبوة» للبيهقي (٢/ ١٨٨)، «البداية والنهاية» (٤/ ١٠٨ - ١٠٩، ط. هجر). (٢) أخرجه البخاري (٤٦٧٥) وتكلمتُ في تقديمي لكتاب علي القاري «أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵊» (ص ١٧ - ٣٤) بإسهاب على الأحاديث الواردة في إسلام أبي طالب ونجاته، وبيان وهائها والرد على القائلين بأنه أسلم! (٣) أخرجه البخاري (٥٩٩٠)، ومسلم (٢١٥). (٤) سبق بيان ذلك قريبًا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.