قال محمد تقي الدين: بعث الله نبيه ورسوله - سيد ولد آدم محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، فضله على خلقه نعمة منه ورحمة وكرامة لمن آمن به واتبعه، ولم يجعله ملكًا يرث الملك من أبيه أو يورثه ذريته أو أقاربه، وقد أخطأ كثير من الناس خطأ فاحشًا في فهم هذا المعنى فقاسوا النبي ﷺ على الملوك والأمراء، فتعجبوا واستغربوا أن لا تشمل هذه الرحمة أقرب الناس إليه أباه وأمه وعمه أبا طالب، مع أنه كان للنبي ﷺ كالوالد الرحيم عندما مات جده عبد المطلب، وكان عمر النبي إذ ذاك عشر سنين، لم يزل يكرمه ويرعاه ويتحمل الشدائد من أجله، لما قاطعه أهل مكة لم يخذله أبو طالب ومن معه من بني هاشم، فإن قريشًا تعاهدوا وتقاسموا على مقاطعة بني هاشم وحصارهم، ومنعوا الطعام أن يصل إليهم، فبقي أبو طالب محاصرًا في الشعب مدة طويلة هو ومن معه يقاسون الجوع والضيق وعداوة أهل بلدهم إلى أن فرج الله عنهم، فسعى بعض أشراف مكة في تمزيق الصحيفة التي كتبتها قريش حين تعاهدوا على ذلك الجرم الفظيع (٢)، ومع ذلك لم تشمله هذه الرحمة التي شملت
= ١٧) فتكلمت على جميع الأحاديث الواردة في هذا الباب، والله - وحده - الموفق للصواب. (١) انظر: «تفسير ابن كثير (٧/ ٢٩٤ - ٢٩٧) بتصرف. (٢) انظر الخبر مفصلًا في: «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٥١ - ٣٧٧)، و «البداية والنهاية» (٤/ ٢٣٥ - ٢٣٨)، وفي صحته عندي نظر، وثبت منه ما أخرجه مسلم (١٣١٤) (٣٤٤) من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى: «نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر»، وذلك إن قريشًا وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب، أن لا يُناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يُسلموا إليهم رسول الله ﷺ، يعني بذلك المحَصَّب. ورجح ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٤٥٣) أن آخره مدرج من كلام الزهري، وهذا الذي حققه الخطيب البغدادي في كتابه النافع الماتع الفصل للوصل» (٢/ ٦٥٧ - ٦٦٣). وفي الباب من مرسل عكرمة، عند ابن سعد (١/ ٢٠٩) بإسناد رجاله ثقات، ومن مرسل عروة عند أبي نعيم في «الدلائل» (٢٢٦، ٢٤٩)، وفيه ابن لهيعة. وفي الباب عند الطبراني (١٠/ ٢٧٥، ٢٨٩) وغيره بأسانيد لا تسلم من مقال، انظر: «المجمع» (٩/ ٢٧٥، ٢٧٦)، «اللسان» (١/ ١٧٢).