للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

غير ذلك (١). والآية أعم من ذلك كله؛ فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكم (٢) إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا (٣) ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ إلى آخرها.

وقوله: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يعرضون عنك إعراضًا كالمستكبرين (٤) كما قال تعالى في (٥) المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١]، وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ الآية.

ثم قال تعالى في ذم المنافقين: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي: يعتذرون إليك ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك وتحاكمنا إلى أعدائك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة لا اعتقادًا (٦) في صحة تلك الحكومة، كما أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى﴾ إلى قوله: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] وقد قال الطبراني بسنده (٧) عن ابن عباس قال: كان أبو برزة (٨) الأسلمي كاهنًا يقضى بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المشركين، فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.


(١) انظره في: «العجاب» (٢/ ٩٠٣)، و «تخريج أحاديث الكشاف» (١/ ٣٣٠)، و «الفتح السماوي» (٢/ ٤٩٧)، و «الاستيعاب في بيان الأسباب» (١/ ٤١٨ - ٤٢٤).
(٢) في «مطبوع تفسير ابن كثير»: «وتحاكموا».
(٣) في «مطبوع تفسير ابن كثير»: «هاهنا».
(٤) بعدها في «مطبوع تفسير ابن كثير»: «عن ذلك».
(٥) في «مطبوع تفسير ابن كثير»: «عن».
(٦) في «مطبوع تفسير ابن كثير»: زيادة: «منا».
(٧) أخرجه الحسن بن سفيان في «مسنده» - ومن طريقه الواحدي في «أسباب النزول» (ص ١٠٦ - ١٠٧)، والطبراني في «الكبير» (١١/ رقم ١٢٠٤٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٣/ ٥٥٤٧) وإسناده صحيح، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩): «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح». وصححه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨٠)، وفي «لباب المنقول» (ص ٧٢).
(٨) قال ابن حجر في «العجاب» (٢/ ٩٠٠ - ٩٠١): «قلت: كذا وقع في هذه الرواية (أبو برزة) - براء ثم زاي منقوطة - ووقع في غيرها (أبو بردة) - بدال بدل الزاي وضم أوله - وهو أولى، فما أظن أبا برزة الأسلمي الصحابي المشهور إلا غير هذا الكاهن».

<<  <  ج: ص:  >  >>