ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية فاكتف به يا محمد فيهم؛ فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم، ولهذا قال له: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعنفهم على ما في قلوبهم ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أي: وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع (١) لهم» (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآيات. قال (ك): يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ أي: فرضت طاعته على من أرسل (٣) إليهم وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال مجاهد: أي: لا يطيع أحد إلا بإذني، يعني: لا يطيعه إلا من وفقته لذلك كقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أي: عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ الآية يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ(٤) فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يغفر لهم؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ولهذا قال: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٥).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: حديث علي يدلنا على أن الطاعة المطلقة في الإسلام لا تكون إلا لله ولرسوله، أما طاعة الله تعالى، فلأنه ربنا ومالكنا ونحن عبيده، وأما طاعة الرسول ﷺ فلأنه كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] ولأن النبي ﷺ معصوم من الخطأ فيما يبلغنا عن ربه ﷿ وفيما يقول في أمور الدين وأما أولو الأمر ومنهم ذلك الأمير (٦). الذي أمر أصحابه لما
(١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «وادع»! (٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٣٨ - ١٣٩). (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أرسله». (٤) سيأتي من المصنف بيان ما في قول ابن كثير هذا. (٥) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٤٠). (٦) الذي وردت قصته في الحديث المتقدم آنفا، وهناك تخريجه.